فهرس الكتاب
وماذا عن الشعب اليهودي؟ يشير لفيناس إلى قصة وردت في التلمود عن شخص طلب المغفرة من آخر ولكن هذا الأخير رفض طلبه لمدة ثلاثة عشر عامًا. يقول لفيناس في مجال شرح هذه الأمثولة: بإمكان اليهود أن يعفوا عن بعض الألمان ولكن هناك ألمانًا من الصعب العفو عنهم (أي أن خطيئتهم مطلقة) . فمثلًا يصعب العفو عن هايدجر لأنه قَبل أن يعمل في وظيفة في الجامعات الألمانية أثناء حكم النازي ولم يُقر بذنبه، أي أن هناك آخرين: آخر يُقبَل وآخر يُرفَض. وقد بيَّن لفيناس أن الإحساس بالآخر لابد أن يترجم نفسه إلى إحساس عميق بالمسئولية تجاهه. ولكنه، مع هذا، يتحفظ على هذا بقوله إن الإنسان لابد أن يفضل الآخر القريب (الزوجة والابن) على الآخر الغريب، أي أن يفضل الآخر اليهودي على الآخر غير اليهودي (يتلاعب لفيناس بالكلمات العبرية: «أح» أي «أخ» و «آحر» أي «آخر» و «أحريوت» أي «المسئولية» - فكأن الآخر هو الأخ الذي يشعر الإنسان نحوه بالآخرية أي بالمسئولية) . وهذه طريقة مصقولة للغاية وحداثية (حيث إنها تتضمن لعبًا بالألفاظ وبعلاقة الدال بالمدلول) للتعبير عن ثنائية اليهود أو الشعب المختار مقابل الآخر الآخر، أي الأغيار. وبالفعل، نجد أن الشعب اليهودي له مكانة خاصة في الكون، فهو شعب مختار. واختياره قد يعني مزيدًا من المسئولية، ولكنه يحمل أيضًا معنى الانفصال والتميز (وهذا لا يختلف كثيرًا عن الرؤية اليهودية الحلولية القديمة) . والواقع أن رؤية لفيناس حلولية، رغم كل حديثه عن الآخر. فالمواجهة بين الإله والإنسان (حسب قوله) مسألة مسيحية، أما بالنسبة لليهود فالمسألة لعب بين ثلاثة: أنا وأنت وطرف ثالث، هذا الطرف الثالث هو الإله المساوي للإنسان (اليهودي!) .