فهرس الكتاب

الصفحة 6223 من 8511

ويستخدم دعاة ما بعد الحداثة كلمة «قصة» بدلًا من كلمة «رؤية» أو «نظرية» لأن الرؤية والنظرية إذا كانت مجرد قصة، فهي إذن نسبية ولا تشير إلى ما هو خارجها (تمامًا مثل النظام اللغوي) . ولا شك في أن محاولة تأسيس نظرية (عامة) على أساس القصة (الخاصة) هو من قبيل العبث، إذ لا يمكن التعميم من الخاص. فكل النظريات قصص، ومن ثم فالحقيقة الدينية بل الإنسانية غير ممكنة، والمعرفة أمر غير وارد، ولا يوجد أساس لكتابة تاريخ عام، ولا توجد نظرية للكون، ولا توجد حدود إنسانية شاملة ومشتركة؛ ولكن توجد جزر من الحتمية والحرية، والمعرفة كلها مرتبطة بمواقع محلية مختلفة داخل إطار لغوي وتفسيري خاص، ولا يبقى أمامنا سوى القصص الصغرى التي لا تتجاوز شرعيتها ذاتها. فهي (كالنظام اللغوي) مغلقة على نفسها تمامًا وتمنح صاحبها يقينًا خاصًا عاليًا ولكنها لا تجيب عن أية أسئلة كبرى نهائية أو كلية. وهي قصة لا تتطلب أية شرعية من قصة كبرى فمطلقها (مركزها) كامن فيها، مرتبط بالآن الخاص والهنا الخاصة، مرتبط بالموقف المادي المباشر (الزماني المكاني) الذي لا علاقة له بالتاريخ الأكبر أو المطلقات العالمية أو الإنسانية المشتركة. وتفترض القصة العظمى وجود الكليات المتجاوزة للسياق الحسي المباشر مثل الإنسانية المشتركة ووحدة الحق ووحدة الحقيقة ولا تتغير بتغير السياق. أما القصة الصغرى، فهي مرتبطة تمام الارتباط بسياقها، فتفترض المطلق الخاص الذي يذكِّرنا بالحلوليات الكمونية الوثنية والوثنيات القديمة، التي لم تكن تؤمن برؤية عالمية ولا أخلاقيات عالمية ولا إنسانية مشتركة، والتي تذكِّرنا كذلك بالقوميات العضوية، وبالحركة النازية والصهيونية وجوش إيمونيم، فهي جميعًا تدور في إطار قصص صغرى يؤمن بها أصحابها ويستمدون قداستهم منها، ويستبعدون الآخر بالضرورة إذ لا توجد قصة إنسانية عظمى تضم الجميع ويمكن الاحتكام لها. ومن ثم، يمكن القول بأن القصة الصغرى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت