فهرس الكتاب
والاخترجلاف يحل محل مفهوم البنية عند البنيويين، ولكنها البنية بعد أن وقعت في دوامة الصيرورة، فالاخترجلاف لا يعرف الثنائية ولا التجاوز ولا الغائية، فهو مجرد منها جميعًا. فالحضور الوحيد بالنسبة له هو عملية لا متناهية في الزمان والمكان ولا يعرف الزمان أو المكان. والاخترجلاف - كما أسلفنا - يتم على أساس الاختلاف في المكان والإرجاء في الزمان، فهو لا يستقر فيهما أبدًا ولا يمكن أن يصبح هو هو. والاخترجلاف، على خلاف البنية، لا يعرف أي مركز، ومن ثم لا يوجد أي تراتب هرمي من أي نوع.
والاخترجلاف لا يشاكل العقل الإنساني بل يتجاوزه ويستوعبه. وهو على عكس البنية ليس مفهومًا، فهو شيء لا يفكر فيه المرء وإنما يحدث له، أو يحدث للنص (ولذا فإن النص يكشف لنا شيئًا عن طبيعة المعنى/اللامعنى التي لا يمكن صياغتها على هيئة أطروحة) .
الاخترجلاف، إذن، عكس الحضور والغياب، بل يسبقهما (ولذا سمي أنطولوجيا الحضور والغياب الذي لا يمكن معرفته) ، وهو لا وعي اللغة والأصل الذي لا يمكن معرفته أو إدراك كنهه، وهو آلية تقويض المعنى والحقيقة والأصل الثابت المتجاوز للغة والإنسان، وهو تأكيد أولوية اللغة على الإنسان.
الاخترجلاف، إذن، هو استيعاب المطلق في الصيرورة، فهو المطلق/النسبي. وهو المبدأ المادي الواحد الذي يسري في الكون، وهو القوة الدافعة له الكامنة فيه والتي تتخلل ثناياه وتضبط وجوده وتوحده، وهو النظام الضروري والكلي للأشياء، نظام ليس فقط فوق الطبيعة ولكنه نظام فوق الإنسان أيضًا، إنه مطلق علماني جديد في عصر المادية الجديدة أو اللاعقلانية المادية حيث تغوص كل الأشياء في دوامة الصيرورة.