فهرس الكتاب
أ) بدأ تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة بالفلسفة الإنسانية الهيومانية التي تتمركز حول الإنسان وتضعه بشكل كامل فوق الطبيعة، باعتبار أن له عقلًا قادرًا على توليد معياريته وقيمه وغائيته من داخله يعيش في حالة حرية كاملة وإرادة واعية. فالإنسان، أو الإنسانية جمعاء، هي موضع الحلول ومركز الكون. ثم تحوَّلت هذه الهيومانية تدريجيًا إلى فلسفة إنسانية غربية متكبرة متعجرفة تحوسل الطبيعة وتحلم بالتحكم الكامل في الكون. ثم أصبح الإنسان الغربي هو وحده هذا المركز (فالإنسانية جمعاء، مفهوم ميتافيزيقي، ماهيةً وجوهرًا، متجاوز لعالم الطبيعة/المادة، والزمان والمكان) . ومن ثم، بدلًا من توظيف الطبيعة وتسخيرها للإنسانية جمعاء بدأ الإنسان الغربي في حوسلة بقية البشر والطبيعة باسم حقوقه المطلقة وباسم تفوقه الحضاري. فتحولت الهيومانية إلى إمبريالية كاملة لا تعترف إلا بالقوة والتفوق العرْقي باعتبارها المعايير الوحيدة. وهكذا تدهورت الهيومانية الغربية إلى إمبريالية وعرْقية وعداء صريح للآخر وللإنسان ككل.
ب) كانت الفلسفة الغربية منذ البداية تحوي نموذجًا متمركزًا حول الطبيعة/المادة والإنسان الطبيعي (ماكيافللي ـ هوبز ـ المادية الميكانيكية ـ العدمية ـ التجريبية) ولكنه كان هامشيًا. وبالتدريج، تراجع النموذج المتمركز حول الإنسان وتزايد التمركز حول الموضوع وانتهى الأمر بظهور نزعة واحدية مادية معادية للإنسان تطالبه بأن ينفض عن نفسه وهم الكون المتمركز حول الإنسان والوهم الهيوماني القائل بحرية الإنسان وبمقدرته على توليد معياريته وغائياته من داخل ذاته، وتُبيِّن له أن الطريق الوحيد أمامه هو أن يُذعن للقوانين المادية الحتمية المنفصلة عن القيم والغائيات الإنسانية (وهو ما يعني النفي الكامل للحرية) وأن يستمد منها معياريته. ثم سادت النماذج الكمية التكنوقراطية.
2 ـ المفهوم الكالفني للإله: