فهرس الكتاب
ولذا، فيجب أن نرى هجوم دريدا على المنطوق وتأكيد أسبقية المكتوب باعتباره جزءًا من ترسانته الفكرية التي يطوِّرها للهجوم على اللوجوس باعتباره أساسًا فلسفيًا وباعتباره مركزًا ومصدرًا للمعقولية والمعيارية والثبات، هو هجوم على ما يسميه «المدلول المتجاوز» (الإله ـ الكل المتجاوز) الذي يمكن أن يوقف لعب الدوال والذي يدركه الإنسان مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة.
إن المنطوق هو صدى كلمة الإله المعقولة التي يدركها ويعقلها المرء مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة، واستنادًا لإنسانيته المشتركة مع الآخرين، وهي ليست تجربة مادية محسوسة. والمنطوق من ثم هو صدى الحضور الإلهي أو الكلي في فؤاد الإنسان، فهو يشير إلى أصول الإنسان الربانية. وما يحل محل المنطوق ليس المكتوب، كما يدَّعي دريدا، فنحن نعرف أن المكتوب والمدوَّن أكثر ثباتًا وتركيبًا من المنطوق. والحضارات المركبة - كما أسلفنا - تعتمد دائمًا على نص مقدَّس مكتوب يتجاوز ذاكرة الأفراد وصيرورة حياتهم الفردية المتغيرة. وما يحل محل المنطوق هو ما يسميه دريدا «النص» ، والنص هو نص مكتوب فَقَد علاقته بكاتبه. ولذا فإنه، رغم ثباته، مجرد كلمات مثبتة على ورق (حبر على ورق) ومؤلفه قد «مات» وانفصل عن النص وأصبح مجرد علامات محسوسة على الصفحة يمكن أن يفعل بها الناقد ما يريد لأنها دخلت شبكة الدوال والصيرورة، فكل كلمة تشير إلى كلمة أخرى، وكل نص يشير إلى نص آخر، وهي عملية تستمر إلى ما لا نهاية إن لم يوقفها مدلول متجاوز. والهجوم هنا هو هجوم على عالم ما قبل اللغة، عالم الإيمان الذي يحتوي على المفاهيم الكلية، وهو هجوم على أي نص (مكتوبًا كان أم منطوقًا) ما دام متمركزًا حول اللوجوس والأصل والمبدأ، وعلى ما يقترن به من مفهوم الغائية والعلم. ويمكن هنا، أن نتحدث عن موت النص أو تقسيمه أو فقدانه حدوده وهويته. وهنا يصبح الثابت متحولًا والكل جزئيًا والمطلق