فهرس الكتاب
تعود جذور الماسونية إلى جماعات أو نقابات الحرفيين في العصور الوسطى الإقطاعية في الغرب، وهي جماعات كانت منظمة تنظيمًا صارمًا شبه ديني، فكان لكل نقابة طقوسها الخاصة ورموزها الخفية وقسمها السري وأسرار المهنة التي تحاول كل جماعة الحفاظ عليها. وهذه كلها أدوات لها وظيفة اجتماعية شديدة الأهمية إذ أنه، مع غياب المؤسسات التعليمية، كان يتم توريث المعلومات، والخبرات المختلفة الحيوية اللازمة لاستمرار المجتمع، من خلال نقابات الحرفيين. وبدون هذه العملية، لم يكن المجتمع ليحقق أي استمرار. وكانت جماعات البنَّائين من أقوى الجماعات الحرفية، ذلك أن العصور الوسطى كانت العصر الذهبي لبناء الكاتدرائيات والأديرة والمقابر. وكان البناءون يعيشون على أجرهم وحده، على عكس الحرفيين الآخرين، مثل النساجين والحدادين الذين كانوا يتقاضون من زبائنهم مقابلًا عينيًا من خلال نظام المقايضة، أي أن البنائين (مثل أعضاء الجماعات اليهودية) كانوا جزءًا من اقتصاد نقدي في مجتمع زراعي. كما أن البنائين كانوا أحرارًا تمامًا في حركتهم. فقد كان الحداد، مثلًا، يقوم بعمله في مكان ثابت ويقوم على خدمة جماعة بعينها، أما البناء فكان عليه الانتقال من مكان إلى آخر بحثًا عن عمل. ولذا، يمكن القول بأن البنائين كانوا من أكثر القطاعات حركية في المجتمع الوسيط في الغرب. وكان على البنائين أن يجدوا إطارًا تنظيميًا يتلاءم مع حركيتهم، فالنقابات الحرفية بتنظيمها المألوف كانت ملائمة للحرفيين الثابتين. أما بالنسبة للبنّائين، فكان لابد من ابتداع إطار حركي خاص بهم.