فهرس الكتاب
ولكن حتى لا تُفسَّر هذه المعلومات تفسيرًا عنصريًا يبسط الأمور تبسيطًا مخلاًّ يجعل اليهود مسئولين عن الشذوذ الجنسي، لابد أن نشير إلى أن قبول الشذوذ الجنسي بشكل متزايد وتطبيعه إحدى سمات المجتمعات العلمانية المتقدمة، كما أنه نتيجة حتمية لغياب اليقين المعرفي والمطلقية الأخلاقية وغياب المركز وتعاظم أهمية الهامش وإنكار أي مفهوم للطبيعة البشرية ومن ثم أية معيارية. وإذا كان هناك وجود ملحوظ لليهود في الحركات الداعية لتطبيع الشذوذ الجنسي، فهذا أمر نابع من أن أعضاء الأقليات (الذين يوجدون في الهامش) ، وخصوصًا أولئك الذين يتحولون إلى جماعات وظيفية لديهم استعداد أكبر من استعداد أعضاء الأغلبية لارتياد آفاق جديدة سواء في عالم الاستثمار أو في عالم الأفكار والسلوك. ومهما يكن الأمر، فإن حركة الشذوذ الجنسي في العالم الغربي حقَّقت تقدمًا ملحوظًا حتى أن قوانين معظم بلاد أوربا قد تغيَّرت، فهي تسمح بالعلاقات الجنسية الشاذة الخاصة بين بالغين يدركون ما يفعلونه ويقبلونه، وبدأت تَصدُر تشريعات تعترف بعلاقة الشواذ جنسيًا كزواج شرعي يعطي لطرفيه حقوق المتزوجين كافة من معاش حكومي إلى علاوات إضافية بل وحق تبنِّي الأطفال! كما أن كثيرًا من الكنائس المسيحية أصبحت تقبل العلاقة الشاذة جنسيًا بل وتُؤسَّس الآن كنائس للشواذ جنسيًا، ويُرسَّم الشواذ جنسيًا قساوسة ووعاظًا. وقد بدأت المؤسسات الدينية اليهودية تلحق بالركب، فاليهودية الإصلاحية والمحافظة لا تُحرِّمان الآن الشذوذ الجنسي. وقد أُسِّست أيضًا معابد يهودية للشواذ جنسيًا، ورُسِّم حاخامات شواذ جنسيًا من الجنسين. وهذا دليل آخر على أن الجماعات اليهودية هي، في نهاية الأمر، ثمرة التغيرات الحضارية والاجتماعية التي تقع للمجتمعات التي يعيشون في كنفها، ومن السخف بمكان التحدث هنا عن «تاريخ يهودي مستقل» أو عن مسئولية اليهود عن الشر.