فهرس الكتاب
13 ـ ولكن أهم العناصر على الإطلاق هو ظهور الإمبريالية الغربية كقوة عسكرية وسياسية عالمية (بمعنى أن ساحتها العالم بأسره) تُجيِّش الجيوش وتنقل السكان وتقسم العالم. وقد وجدت الإمبريالية الغربية في أعضاء الجماعات اليهودية ضالتها باعتبارهم مادة استيطانية تسبب مشاكل أمنية إن بقيت داخل العالم الغربي، ولكنها تستطيع أن تزيد نفوذه إن نُقلت خارجه وتحولت إلى مادة قتالية تحوسل لحساب الغرب داخل نطاق الدولة الوظيفية. ووجدت القيادات الصهيونية بدورها أن ثمة إمكانية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ من خلال تَقبُّل الوظيفة القتالية المطروحة.
ويجب ملاحظة أن الصهيونية التوطينية ظهرت في غرب أوربا حيث كان عدد اليهود صغيرًا وحيث حقق أعضاء الجماعات اليهودية قدرًا عاليًا من الاندماج والعلمنة في مجتمعات كانت تحل مشاكلها الاجتماعية عن طريق الاستعمار وغير ذلك من الآليات. أما الصهيونية الاستيطانية فقد ظهرت أساسًا في شرق أوربا حيث توجد كثافة سكانية يهودية ضخمة، وحيث تفاقمت القضايا الاجتماعية دون حل حتى عام 1917.
ثم ظهرت الصهيونية النفعية (صهيونية المرتزقة) بعد ذلك بين يهود الدول العربية منذ عام 1948، وبين يهود الاتحاد السوفيتي بعد عام 1917، وتصاعدت وتيرتها بعد عام 1970. والسياق التاريخي للصهيونية النفعية يتفاوت من بلد لآخر، ومن جماعة يهودية إلى أخرى.
الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية: تاريخ موجز
تاريخ الصهيونية مركب لأقصى حد بسبب تداخل مستوياته وساحاته. وسنحاول تقديم هذا التاريخ الموجز من خلال ثلاث عناصر: الساحة ـ الخلفية ـ المادة البشرية المستهدفة، وسنقسم تاريخ الصهيونية إلى أربعة مراحل أساسية:
أولًا: المرحلة التكوينية.
ثانيًا: مرحلة الولادة في مطلع القرن العشرين.
ثالثًا: الاستيطان في فلسطين.
رابعًا: أزمة الصهيونية.
وسنقسِّم كل مرحلة إلى فترات مختلفة.