فهرس الكتاب

الصفحة 6982 من 8511

ويمكن القول بأن هرتزل قام بتحديث مسألة أوربا اليهودية بأن نَزَع القداسة عن اليهود وجعلهم مادة وظيفية استيطانية، ثم قام بتدويل المسألة اليهودية بأن توجَّه إلى أوربا بأسرها، صاحبة المشكلة، وأخبرها أنها هي أيضًا صاحبة الحل والمستفيد الأول إن قبلت رؤية اليهود على طريقته. وبدلًا من النظر إلى يهود أوربا بوصفهم شحاذين أو فقراء يحتاجون إلى الصدقات أو شخصيات غريبة ذات تراث إثني فريد، فإن على أوربا (وأثرياء اليهود في الغرب) أن ينظروا لهم باعتبارهم شعبًا له نفعه (وتحويل كل شيء إلى مادة نافعة يمكن الاستفادة منها هو جوهر التحديث) ، كما أن له وظيفته التي يمكن أن يضطلع بها، ولذا فهو لا يحتاج إلى الصدقات وإنما إلى الدعم مقابل الخدمات التي سيؤديها. والدعم سيأتي من الدول الاستعمارية التي تحتاج إلى «إسفين» في الشرق والتي ستضمن"وجودنا بالمقابل". ولعل حداثة الصيغة الهرتزلية تظهر في العبارة الأخيرة التي تدل على أنه يستخدم منطقًا تعاقديًا نفعيًا. وبدلًا من جماعات أحباء صهيون الصغيرة المتفرقة في الشرق والغرب، طوَّر هو صيغة مراوغة ورؤية متكاملة لعقد صهيوني صامت يُوقَّع بين الحضارة الغربية ويهود الغرب وإطار تنظيمي ينتظم الجميع.

وقد ظهرت الخلافات بين التسللين وهرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول (1897) ، ولكن هرتزل اكتسح الجميع بسبب دقة أولوياته وحداثة طَرْحه، وخطابه المراوغ، فانضموا هم إلى المنظمة ولم ينضم هو إلى جماعاتهم الكثيرة رغم أنه كان مجرد صحفي كتب كراسة عن المسألة اليهودية وكانوا هم عدة تنظيمات يضمون في صفوفهم كثيرًا من المفكرين وبضعة آلاف من الأعضاء. ثم صَدَر برنامج بازل، وقد قبل التسلليون الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية وقبلوا قيادتها للمنظمة. ومنذ تلك اللحظة، سقطت عنهم الصفة التسللية بإدراكهم حتمية الاستعانة بالإمبريالية الغربية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت