فهرس الكتاب

الصفحة 7460 من 8511

ويمكن القول بأن واحدًا من أكبر أشكال فشل الدولة الصهيونية في الهيمنة الفعلية علي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم أنه بعد مرور ما يزيد علي مائة عام علي الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وبعد مرور نحو أربعة عقود علي إنشاء الدولة الصهيونية، وبعد الحملات المكثفة، بل الهستيرية، التي تهدف إلي إقناع أعضاء الجماعات بالهجرة إلي فلسطين انطلاقًا من إيمانهم الديني القوي، والتي تؤكد لهم أن هذه الهجرة هي السبيل الوحيد إلي الحفاظ علي وطنهم القومي، أي إسرائيل، بعد كل هذا لم تقابل المنظمة الصهيونية والدولة الصهيونية كثيرًا من النجاح، الأمر الذي فرض عليهما أن تطرحا جانبًا في الآونة الأخيرة تلك المنطلقات العقائدية الصهيونية وتطرحا بدلًا منها شعارات مادية استهلاكية. فإسرائيل، حسب الحملات الدعائية الجديدة، ليست أرض الميعاد ولا مسرح الخلاص، وإنما هي بلد تتوافر فيه أسباب الراحة المادية للمهاجر حيث يمكنه أن يمتلك بيتًا واسعًا كبيرًا بشروط ائتمانية سهلة، وبالتقسيط المريح، أو يمكنه أن يجد فرصًا أحسن للعمل أو الاستثمار. بل تم تعديل الأسطورة الصهيونية نفسها، فبدلًا من الإصرار علي اليهودي الخالص، اليهودي مائة في المائة، تم الاعتراف بالأمريكي اليهودي، أي اليهودي الذي ينتمي إلي وطنه الأمريكي انتماءً كاملًا، ويعتز بتراثه الإثني ما دام هذا الاعتزاز لا يتناقض مع انتمائه الأمريكي. ولا يختلف الأمريكي اليهودي في هذا عن الأمريكي الإيطالي أو الأمريكي البولندي. وداخل هذا الإطار، تصبح إسرائيل مثل إيطاليا وبولندا أي «مسقط الرأس» الذي أتي منه المهاجر. ولكن المفارقة تكمن في أن هذه الأسطورة تقف علي النقيض من الأسطورة الصهيونية، لأن «مسقط الرأس» هي البلد الذي يهاجر منه اليهودي، علي عكس «صهيون» أو «أرض الميعاد» فهي البلد الذي يعود إليه. وهكذا تحوَّلت الأسطورة الصهيونية إلي نقيضها من خلال محاولتها التكيف مع الوضع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت