ولا يستثني هذا التصور مصر، رغم أنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي ظلت ستة آلاف عام تمثل تماسكًا قوميًا ثابتًا. فإسرائيل تعلم أن المخاطر التي يتعرض لها الكيان الصهيوني إن ظلت مصر في تماسكها أولًا، وفي تَضخُّمها الديموجرافي ثانيًا، وفي تَقدُّمها التكنولوجي ثالثًا هي مخاطر قاتلة. فمصر وحدها تستطيع، إذا قدرت لها القيادة الصالحة على تعبئة القدرات والاستخدام الأمثل للإمكانيات، أن تقضي على إسرائيل. وهي لذلك أكثر إلحاحًا في تطبيق مفهومها للتجزئة على مصر.
إن الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي بهذا الخصوص واضح ولا يعرف أي غموض، ولكن التساؤل المطروح هوترتيب تعامله مع المنطقة من هذا المنطلق، كما أنه يحاول أن يطوع الإدراك الأمريكي ليجعل السياسة الأمريكية إن لم تقف موقف المساندة لمثل هذه الإستراتيجية فعلى الأقل أن تتجنب الرفض.
ومما لا شك فيه أن السياسة الإسرائيلية تسير بوعي حقيقي أساسه ألا تتسرع في خطواتها وألا تلهث وراء تحقيق أهدافها وأن تنتظر اللحظة المناسبة عندما يصير الموقف ناضجًا لتدفع عجلة التطور، وهي تعلم أن اقتطاف ثمرة سياستها في حاجة بدوره إلى حنكة معينة.
والواقع أن المتتبع للدبلوماسية الصهيونية ـ وليس السياسة الإسرائيلية ـ يلحظ أنها أعدت لدبلوماسية الدولة اليهودية بهذا الخصوص بكثير من بُعد النظر عندما عملت على تحويل النظام القومي العربي إلى نظم داخلية متعددة ولو في النطاق الاقتصادي.