فهرس الكتاب

الصفحة 8296 من 8511

وقد ترجم هذا التآكل نفسه إلى عدم اكتراث بالمشروع الصهيوني الذي ترجم نفسه بدوره إلى عدم الإيمان بالقيم الصهيونية «الريادية» المبنية على التقشف وتأجيل الإشباع. وبدلًا من ذلك، ظهر السعار الاستهلاكي والنزوع نحو الأمركة والعولمة والخصخصة، وهي حالة لا تصيب الصهاينة وحدهم وإنما تصيب أيَّ مجتمع يفتقر إلى الاتجاه ولا يحل مشكلة المعنى. ولكن رغم كل هذا التآكل يظل هناك إجماع صهيوني لم يتآكل وهو رفض الاعتراف بالفلسطينيين وحقهم في هذه الأرض التي تم اغتصابها.

ولكن قبل أن نعرض لعناصر الأزمة الصهيونية المختلفة يجب أن نشير إلى أن بوسع المجتمعات الإنسانية أن تعيش في حالة أزمة مستمرة لعشرات السنين دون أن"تنهار من الداخل"، إن لم تُوجَّه لها ضربة من الخارج. والتجمع الصهيوني ليس استثناءً من هذه القاعدة، وخصوصًا أن كميات المساعدات التي تصب فيه من الولايات المتحدة تزيد عن ثمانية بلايين دولار لمجموع عدد السكان الذي يبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين، الأمر الذي يجعل التجمُّع الإسرائيلي (الاستيطاني الوظيفي) من أكثر المجتمعات تلقيًا للمساعدات الخارجية بالنسبة لعدد السكان. فالتجمُّع الصهيوني لا يحوي مكونات بقائه واستمراره داخله، فهو يستمدها من دولة عظمى تكفله وترعاه.

ومن الواضح أن إسرائيل مدركة تمامًا لأبعاد أزمتها وأنه لا حل لها داخل إطار ما هو قائم. وقد أدَّى هذا إلى استقطاب شديد، فطرح حلاّن: الأول، الصهيونية الحلولية العضوية، ويتسم بالصلابة، والثاني، صهيونية عصر ما بعد الحداثة، ويتسم بالسيولة.

الأزمة البنيوية للصهيونية

«الأزمة البنيوية للصهيونية» عبارة نستخدمها للإشارة إلى طبيعة الأزمة الصهيونية وهي أزمة لصيقة ببنية الصهيونية نفسها. فالمواجهة مع السكان الأصليين ليست كما يظن البعض مسألة عرضية، وإنما هي نتيجة حتمية وملازمة لتحقق المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت