الصفحة 738 من 976

... يعني الإلحادُ أن الإنسان عبد الكون كله بدلًا من أن يعبد أجزاء منه ، وخلع على الكون كله صفات الألوهية ، فالكون يخلق ويَرزق ، ويُعطي ويمنع ، ويحيي ويميت ، ويتصرف ويعمل ورتب ويبدع ويكوِّن ، واعتبروا أنفسهم أعظم ما في هذا الكون فعبدوا أنفسهم ؛ اعتبروا أن الإنسان مصدر التشريع ، ومصدر الحاكمية ، ومصدر الأمر والنهي . وهو حر أن يفعل وأن يترك وأن يعمل كل شيء فغلبتهم شهواتهم ، وظلموا بعضهم ، وأصبح كل واحد من هؤلاء يعتبر نفسه إلهًا ، وأخيرًا اعتبرت الفلسفة الشيوعيّة الشعب كله إلهًا يفعل ما يشاء ، لا رادَّ لحكمه ، وتمثل الشعب بأفراد تصرفوا كآلهة ، فحدث على يدهم من المآسي ما لم يحدث على يد غيرهم ، حتى إنه قتل في زمان ستالين وحده تسعة عشر مليونًا من أبناء الشعوب المسماة بالاتحاد السوفييتي .

... فلم يكن الإلحاد إذن إلا صورة من صور الشرك ، انتقل به الإنسان من الجزئية إلى الكلية ، ومن الشرك الواضح إلى الشرك المقنع ، فأعطى الكون كلّه صفات الألوهية بعدما كان يعطي أجزاء منه ، وعبد نفسه وتعبّد لها بعدما كان يعبد غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت