... شهدت البشرية في تاريخها الطويل انفصالًا بين المثل والواقع ، بين المقال والفعال ، بين الدعوى والحقيقة ، وكان دائمًا المثال والمقال والدعوى ، أكبر من الواقع والفعال والحقيقة ، وهذا شيء يعرفه من له أدنى معرفة بالتاريخ والحياة ، غير أن هذه الظاهرة تكاد تكون مفقودة في واقع أتباع الرسل المخلصين ، فمن باب أولى أن تكون مفقودة في حياة الرسل الذين تجد واقعهم أعظم من كل تصور نظري ، فهم وحدهم الذين دعوا الإنسانية إلى أعظم قمم السمو ، ومثلوا هم بسلوكهم العملي هذه الذروة بشكل رائع مدهش عجيب ، وهذا بحد ذاته من أدلة صدقهم . إذ الالتزام بالسمو لا تطيقه النفس البشرية عادة ما لم تتهذب هذه النفس بدافع الخضوع لأمر الله بعد الإيمان به ، ومعرفة أمره ، ويستطيع الإنسان أن يعرف هذا بالتجربة ، إذا شاهد أحوال الكافرين ، فمثلًا قد يحاول كافر أن يقلد مسلمًا في صلاته متظاهرًا بالإيمان ، فإذا ما راقبت مثل هذا وجدته عمليًا لا يبقى على حالة واحدة من التطبيق ، كما أن تطبيقه يكون بسيطًا جدًا ، ثمّ هو إن كان بحيث لا يراه الناس فإنه لا يفعل شيئًا أصلًا ، فعندما