فهرس الكتاب
صمود الدعاة سمعته يقول: سأعتزل الناس، وأحيا بعيدا عنهم كى أريح وأستريح! إن لغط الناس وسعيهم وأملهم ولغوبهم يثير الضجر والمقت! بل إنه يضع حجابا على بصرى وبصيرتي فلا أكاد أرى وجه ربى! ولا أكاد أشعر بلذة المناجاة والتأمل.. قلت له: أما أنك ستريح وتستريح فهذا حق، ولكنك ستريح الشيطان وتستريح من مقاومته، وتتركه يؤدى رسالته دون وجل! وأما لذة المناجاة التى تنشدها فهى لذة الشاعر الذى يصوغ قصيدة رائعة يهيج بها المشاعر ضد الأعداء، أو يثير بها الحنين لاسترجاع المجد المفقود، ثم تبقى عنده قصيدته؟ لأنه لم يجد لها ناشرا !. أخشى يا صاحبى أن يكون فرارك من المجتمع فرارا من الزحف، ونكوصا عن الجهاد...!. إن العبادة الحقيقية لله أن تحرس الفطرة الإنسانية، وأن تشتبك في حرب دائمة مع البيئة التى تريد تشويهها أو تغييرها! أنت تعرف أن كل مولود يولد على الفطرة، أى على حقائق الإسلام، وأن التقاليد الفاسدة والعقائد الزائفة هى التى تتلقف الأجيال الناشئة وتنحرف بها يمنة ويسرة بعيدا عن الصراط المستقيم.. فكيف تترك المجتمعات يستقر فيها الباطل؟ ويتلاشى منها الحق؟ ويحل الخنا محل الطهر! والكفر مكان الإيمان، والجور بدل العدالة؟ ما يجوز أبدأ الانسحاب من الميدان فيخلو الجو للشيطان. قال: طالما زرعنا، فإما أغار الجراد على الحرث فالتهمه، وإما أغار عليه اللصوص بعد نضجه فانتهبوه! ماذا نصنع؟!. وخلال الحديث اقتربنا من سيارة تخرج من محطتها لامعة الإطارات والهيكل. فقلت لصاحبى ضاحكا:"ما أشبه حياتنا بهذه السيارة! إن وظيفتها الركض الدائم بين المدن والقرى، والتعرض للغبار والأوحال، والاصطدام أحيانا! إنها تعود إلى ص _112"