الصفحة 601 من 1131

تهجما صبيانيا القول بأن الفقه الإسلامى في عصوره الأولى انحصر في دائرة العبادات يحتاج إلى إعادة نظر، فإن هذا الفقه ملأ ميادين كثيرة واستبحرت بحوثه حتى لكأنها تستمد من الآية الكريمة (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) ! وفى القرن الهجرى الثانى كان لأبى حنيفة رحمه الله تلميذان مشهوران، الأول أبو يوسف الذى ألف كتابه الخراج في الفقه المالى والإدارى. والثانى محمد بن الحسن الذى ألف في فقه العلاقات الدولية، وله مدرسة مشهورة بين علماء القانون الدولى في أوروبا وقد قرأنا لابن حزم فصلا في فقه العدالة الاجتماعية لو كتبه غيره من مفكرى الغرب لبلغ به قومه الأوج.! لكن المسلمين في فترة انحسارهم الحضارى حصروا نشاطهم في نطاق العبادات، وعجزوا عن مواكبة الزمن، فأساءوا إلى أنفسهم ودينهم.. ثم جاء عصر التقليد المحض فزاد الطين بلة، وأمست الدراسات الفقهية بحوثا ميتة في الصلاة والحج واقتسمها أتباع المذاهب الأربعة فكادت الصلات بالكتاب والسنة تنقطع وصار الفقه ترديدا لأقوال الفقهاء في عصر الاضمحلال. ومنذ قرن انفجرت نهضة صالحة تهيب بالناس أن يعودوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم بدل الاحتباس في أقوال رجال المذاهب المختلفة، وهذا حسن بيد أنه مسلك يحتاج إلى إيضاح. فإن الأئمة الأربعة الأوائل، ومن دار في فلكهم من الفقهاء كانوا يستنبطون من الكتاب والسنة، ولهم اجتهادات مشكورة ومحاولة محوهم من تاريخنا العلمى خطأ واستهجان مناهجهم أو التهوين من شأنها لا يسوغ، إن باب الاجتهاد قد فتح ليواجه ص _064

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت