إن هذا التساؤل مر بذهن أبي العلاء فقال: صاح هذى قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد وقبيح بنا وإن قذم العهد هوان الآباء والأجداد لكننى أعترض هذا التفكير، وأرى الانسياق معه عقيما؛ لأنى إنسان بروحى وإدراكى وأخلاقى، لا بشعرى وأظافرى ولحمى وعظامى، والمهم هو الارتقاء بالروح إلى معرفة الله وتقواه، وعندئذ تظفر بالخلد، وتفتح لها أبواب السماء. الشىء الذى يصر الناس على تجاهله، ويرفضون التفكير فيه هو العدم الذى سبقهم، والعدم الذى سيلحق بعدئذ أجسامهم وحدها، ثم تبقى أرواحهم لتواجه أثر التجربة الصعبة في هذه الدنيا... إن الجماهير تحس أنها تحيا، وهى رهينة هذا الإحساس تأبى ما عداه ثم يفجؤها الموت فتعرف بعد فوات الأوان أنها أضاعت فرصة الاستفادة من العمر المحدود على ظهر هذه الأرض، أى من فترة الاختبار هنا!! والحضارة الغربية التى تسود الدنيا الآن تحتقر التفكير في الآخرة ؛ وتركز اهتمامها كله في هذه الدار. وقد فشل أهل الكتاب في أوروبا وأمريكا أن يلفتوا الأنظار إلى ما وراء هذه الدار، أما اليهود فلأن توراتهم التى بين أيديهم لم تذكر الجزاء الأخروى قط، وهذا من إضاعتهم للوحى الأعلى، وأما النصارى، فإن لهم حديثا عن الآخرة بالغ الضعف وظاهر أن الشهوات كانت أعتى منه فغطت عليه!! على أن الدين لا يذكر الموت ليعطل الحياة، وإنما ليكفكف من غلوائها، ويمنع الافتتان بها، والغرق في حماتها ص _008