الصفحة 795 من 1131

وبقى في الحج كلمة أتجاوب مع العاطفة الصادقة فإذا تجاوزت منطق العقل أغلقت أمامها قلبى وأبيت الانسياق معها! أذكر وأنا طالب أنى كنت شديد الرغبة في الحج مع إدراكى لعجزى ويقينى أنى غيرمكلف به.. وفتشت في نفسي عن السر وراء رغبتى الجامحة، فخيل إلى أنه الأمل في دعوة تستجاب هناك، تفرج كروبى! وتحرك عقلى يقول: الذى يستجيب هناك يستجيب هنا.! إننى أولى وجهى شطر الكعبة، وليس من الضرورى أن أراها، والكعبة بناء لا يضر ولا ينفع، وإنما أعبد رب البيت الذى يطعم من جوع ويؤمن من خوف.. ومرت الأيام أسرع مما أقدر، وزرت البيت العتيق حاجا ومعتمرا، وجاورته سنين عددا، وكان بر الله بى أربى من أملى القاصر، وعرفت من أسرار الحج ما لو عرفته أمتنا لصلحت أحوالها الروحية والسياسية.. الحج هو الركن الخامس في ديننا، ووجوبه على المستطيع، فما معنى الاستطاعة؟ إن العاطفة الجياشة تكلف صاحبها فوق ما يحتمل وقد رأيت ناسا في مكة المكرمة ينامون في الطرق، ويعيشون على الطوى، ويتعرضون لمحنة بعد أخرى لقلة النفقة وقسوة الغلاء، فهل تتحقق الاستطاعة مع هذا الشظف والحرمان؟ إذا لم يكن للمرء بيت يؤويه، ويتطهر فيه، ويخرج منه إلى المشاعر مصون المروءة والكرامة فلا استطاعة هنا، ولا تكليف بحج..!! إننى أحب أن ترتفع العبادات بنا لا أن نهبط نحن بالعبادات، وأمتنا تتحمس للشكل، وقلما تكترث بالموضوع، وذاك من أسرار تخلفنا، وقد بذلنا أوقاتا وجهودا في تصحيح المراسم، ولم نبذل عشر ذلك في تصحيح الفكر، وضبط العلاقات الاجتماعية بين الناس.. ص _043

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت