فهرس الكتاب
ومن هنا فنحن في أى زحام تسودنا عقلية القطيع، ولا يسودنا نظام الصف، وإحكام الخطو، وملاحظة الغير.. القطيع عندما يندفع بالأثرة وحب النجاة ومزاحمة الآخرين والمضى مع الرغبة الجامحة ولو على أشلاء الضعاف، أما نظام الصف فهو محكوم بالعقل والأناة والإحساس بالآخرين، والتصرف بروح الفريق، ومسئولية الكل عن الفرد، والفرد عن الكل.. !! ويؤسفنى أن أصارح بأن التربية الشائعة في أمتنا، لا تكترث بتنظيم الصفوف، ولفت كل امرىء إلى من معه، أو إلى من حوله.. لقد ساءنى كما ساء غيرى موت جمهور كبير من الحجيج في أحد الأنفاق وتساءل الكثيرون عن السبب؟ وهو منهم قريب لو أرادوا الحق، وأخشى أن يكون تجاهله سببا لتكرار المأساة!! إن الجماهير في العالم الثالث لم تلق التربية الواجبة في آداب المرور، وحقوق الطريق، والرفق بالضعفاء، ورعاية النظام، وأخذ الحذر، وتدبر العواقب، ونصح الغافلين.. وكثير من الدعاة والمعلمين يهتمون بأنواع الجدل في القضايا الفقهية أكثر مما يهتمون بتكوين الرشد في مواجهة المأزق والمضايق.. وقد كدت أهلك في أحد مواسم الحج للرعونة السائدة بين الناس، شعرت بأنى لا أتحرك تبع إرادتى، وأن موجات بشرية تجرنى يمنة ويسرة، فأدركت خطورة الموقف، وتسلقت سيارة نقل من الخلف حافلة بالركاب، لم أستطع دخولها ولا النزول منها، وأخذ العرق يسيل من وجهى وظهرى، وكنت أسمع خلال التلبية العالية أصوات الاستغاثة.. ثم بوغت بموكب آخر من الإفريقيين الأشداء يجرى صوبنا من الناحية الأخرى، فشممت ريح الموت، ولولا نجدة مسعفة من أقدار الله تحركت بها السيارة لهلكت! لماذا تكون المسيرة بهذه الفوضى؟ هذه غرائز العالم الثالث للأسف الشديد، لا يصلحها إلا تدين واع مهيمن.. يجعل عقل الإنسان يغلب طبع الحيوان.. ص _044