فهرس الكتاب
فروق في أيام الصبا كانت عاطفة التدين تنضح على أعمالنا ومسالكنا، وتهيمن عليها بدءا ونهاية، وهى عاطفة لم تكن من صنع أيدينا، بل كانت تجيئنا من أرجاء المجتمع كله، كأنها الهواء المنساب في جوه! نصحو مع الفجر لنبدأ مذاكرة الدروس بعد صلاته، ولاحظت أننا كنا نطالع الدرس الذى سوف يلقى علينا، فنقرؤه مستكشفين، قبل أن نصغى إليه متعلمين، أى أننا كنا نشارك في الدراسة قبل أن نجلس للتلقى! ولم يكن هناك قط ما يسمى بالدروس الخاصة، فالحصص توزع علينا بالتساوى لا يتفاوت في حضورها مجد ولا كسول. وكنا نشعر بمرة الخطأ، فارتبط الصواب بالكرامة الشخصية، وحرصنا على النجاح حرصنا على الحياة.. والفجر بداية اليوم والنشاط، وعقب العشاء تكون المذاكرة قد انتهت تقريبا لنستجم ونستعد لليوم التالى. من حسن حظنا أن التلفاز لم يكن اكتشف، وأن السهر في الحلال لم يكن مألوفا فكيف بالسهر في اللغو؟ لقد نتج عن ذلك إخلاص للعلم، وتوفر عليه استفادت منه أمتنا، كما استفادت من ارتباط العلم بالخلق والدين، فكان الجيل السابق أرجح كفة وأفضل مالا. وما شاع بيننا يشبه المألوف في أغلب الطوائف، فالفلاحون في قراهم كانوا يستيقظون مع الفجر، وربما صحوا قبله للاستغفار والابتهال، فإذا قضيت الصلاة انطلقوا إلى الحقول متزودين بأيسر الطعام، ويغلب أن يتناولوا غداءهم في أثناء العمل الشاق، وأن يصلوا الظهر والعصر وسط الزراعة، فإذا اقترب المغرب عادوا إلى بيوتهم، ليتناولوا العشاء ويستعدوا للنوم.. لم تكن كهرباء السد العالى قد أمدت البيوت بأجهزة الإذاعة! ولم تكن المجالات ممهدة للسهر والثرثرة، كان التبكير بالنوم يتبعه تبكير باليقظة, وحفاظ على حق الله وحق الحياة.. ص _045