الصفحة 798 من 1131

ولذلك بورك في الثمار فجاءت فيضا لا غيض معه، وأذكر أن شهر أكتوبر بعد جنى القطن، كان الشهر الذى يوسر فيه المعسر، ويتزوج الأعزب، ويكتسى العريان، ويوفى المدين بما عليه، ويغنى فيه الفلاحون:"نورت يا قطن الليل..". أما الآن فالليل لا ينيره قطن ولا قمح، لقد تغيرت الأخلاق، وفترت الهمم، فمن الذى يذرأ البركة في الحقول؟ إن الشيوعيين كفروا بالله، وأنكروا وجوده، فلم يرسل الله عليهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود! وإنما أوحى إلى الأرض أن تضرب عن الإنتاج العادى! فإذا الروس يشترون بكل ما لديهم من ذهب قمحا ليأكلوا، وانتهى الذهب وبقيت الأرض مضربة، وسقطت الشيوعية!! وأترك الحديث عن الطلاب والفلاحين لأنظر إلى العمال وأصحاب الحرف، إن مصانع النسيج أيام طلعت حرب كانت تتفوق على مثيلاتها في البلاد العريقة، وكانت الطبقات الكادحة تثمر الذهب!! ويوجد اليوم من يطلب الحقوق ولا يؤدى الواجبات، ومن يعيش على التسويف ويحرص على شهواته! ومن يذكر نفسه في كل وقت ولا يذكر الله إلا قليلا.. من ستين عاما ـ عندما كنت طالبا ـ كان الإنجليز يحتلون مصر، ولكن مراجل الغضب على وجودهم كانت تغلى باستمرار، وتنفجر بين الحين والحين مقدمة أفواج الشهداء. كان هناك إحساس عارم بحق الله، وحق الأمة.. أما الآن وبعد أن طهر الله البلاد من الغزاة الذين احتلوها فإن الشعور بارد بما يقترفه الغزاة في أراض أخرى يعيش عليها أشقاؤنا، ويتطلعون منا إلى عون مسعف.. إن عاطفة التدين أصيبت في صميمها، وحل محلها جدل بارد في بعض القضايا، والدين عندما يتحول إلى جدل وتهارش على المظاهر الفارعة فسوف ينتهى حتما، لأن الدين هو القلب العامر وليس الفم الهادر.. ص _046

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت