وهذا العدد يؤكد عناية الزجاج واهتمامه بالشواهد الشعرية، ويؤكد أيضًا تلك الغزارة التي يتمتع بها الزجاج من المحفوظات اللغوية.
وكان الزجاج يستشهد بشعر الطبقات الثلاث الأولى: الشعر الجاهلي، وشعر المخضرمين ، وشعر عصر صدر الإسلام .
وقد سبق الحديث عن انتقاد الزجاج للأبيات الشعرية وأنه يرد الأبيات الشاذة والمجهولة والمصنوعة ويرفض الاحتجاج بها في اللغة والتفسير ، وذلك عندما تحدثت عن استدراكاته في التفسير واللغة [1] .
والأمثلة على احتجاج الزجاج بالشعر في التفسير كثيرة ، منها:
في قوله تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } [2] ، ذكر الزجاج الخلاف في تحديد معنى اللباس في هذه الآية ثم فسره بتسمية العرب المرأة لباسًا وإزارًا فقال:"والعرب تسمي المرأة لباسًا وإزارًا قال الشاعر:"
إذا ما الضجيع ثَنَى عطفَه ... تَثَنَّتْ فكانت عليه لبَاسًا [3]
وقال:
أَلا أَبْلغ أبا حفص رسولًا ... فدىً لك من أخٍ ثِقةٍ إِزَاري [4]
قال أهل اللغة: فدىً لك من امرأتي" [5] ."
ويلاحظ أن الزجاج يختار تفسير اللبس بمعنى: اللباس يعني: الثياب التي تلبس ، وهو أحد المعاني الواردة في تفسير الآية ، ومعنى ذلك: تشبيه الزوجين باللباس والإزار الواحد لشدة مخالطتهما والتصاقهما.
وأصل مادة: ( لبس ) يدل على المخالطة والمداخلة كما ذكر ابن فارس
(1) ... انظر: ص 218، 219 من هذا البحث .
(2) ... سورة البقرة: 187 .
(3) ... البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ص81 .
(4) ... البيت لنفيلة الأكبر الأشجعي ، وهو من ضمن أبيات يشكو بها عامل المدينة ، جعدة بن عبدالله السلمي لعمر بن الخطاب حيث كان يعبث بالجواري إذا خرج الأزواج للغزو. انظر: لسان العرب 4/17 ، 18 كلمة ( أزر ) .
(5) ... معاني القرآن وإعرابه 1/256 .