فهرس الكتاب
لكن ماذا يصنع الزجاج في بعض الألفاظ القرآنية التي أثبت بعض المفسرين وأهل اللغة أنها من الأضداد ؟
يتخلص الزجاج من القول بالتضاد في هذه الألفاظ بصرف أحد المعنيين المتضادين عن الضدية.
فمن ذلك قوله عند قوله تعالى: { مِنْ ¾دmح !#u'ur جَهَنَّمُ } [1] :"أي: جهنم بين يديه، و"وراء"يكون لخلف وقدام، وإنما معناه: ما توارى عنك أي: ما استتر، وليس من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة" [2] ، وهنا يذكر الزجاج أصل لفظ:"وراء"ليستدل به على بطلان التضاد، وهو يريد أن استعمال لفظ: وراء بمعنى: قدام في الشيء إذا توارى عن الإنسان وغاب عنه ، فإن كان أمامه وهو يراه لم يصلح له لفظ:"وراء".
وفي قوله تعالى:"وظن داود أنما فتناه" [3] قال:"ومعنى:"ظن"أيقن، إلا أنه ليس بيقين عيان، أما العيان فلا يقال فيه إلا علم" [4] .
والزجاج هنا يختار التفريق بين الظن واليقين، وأن الظن هنا هو اليقين الذي لم يشاهد ويعاين، وهو قول زيد بن أسلم (ت136هـ) [5] ، والفراء (ت207هـ) [6] .
أما الاشتراك اللفظي الدال على معنيين فأكثر دون تضاد فإن الزجاج يثبته ، بل ويعتني كثيرًا بالمعاني والدلالات التي يدل عليها اللفظ المشترك ، لكنه - غالبًا - لا يذكرها مجردة ، بل مقرونة بالأصل اللغوي المنبثق منه اللفظ، ومعنى هذا: أن الزجاج يختلف في نظرته عن بعض أهل اللغة في مسألة: الاشتراك اللفظي ، فهو لا يورد، معاني اللفظ مجردة بل لابد من ردها للأصل اللغوي [7] .
(1) ... سورة إبراهيم: 16 .
(2) ... معاني القرآن وإعرابه 3/156 ، 157 .
(3) ... سورة ص: 24 .
(4) ... معاني القرآن وإعرابه 4/327 .
(5) ... عزاه الطبري لابن عبد الرحمن بن زيد ، وعبد الرحمن قد نقل وروى عن أبيه، ولم ينسبه لزيد بن أسلم إلا الزجاج. تفسير الطبري 1/262.
(6) ... معاني الفراء 2/404 .
(7) ... انظر: كلام الدكتور خالد الجمعة في دراسته اللغوية لمعاني الزجاج ص429.