وكانوا ينادون على بعضهم البعض بأصوات متخافتة ، حتى لا يسمع بهم أحد .
حتى في طريقهم إلى الجنة كانوا يتكلمون بصوت خفيض خافت ،
حتى لا يشعر بهم أحد من الناس فيفتضحوا .
وانطلقوا وهم في حذر بالغ ،
و كانوا في أثناء انطلاقهم يسرون الحديث و التآمر .
و عملوا المستحيل من أجل ذلك
بل كان همُهم الشاغل الذي تخافتوا به طيلة الطريق إلى جنتهم ،
و هو إخفاء الأمر على المحتاجين حتى لا يسألوهم شيئا مما يجمعون .
وحتى لا يدخل عليهم مسكين في هذا اليوم ،
وفى هذا اليوم بالذات .
وصل أصحاب الجنة إلى جنتهم ..
فما عرفوها ،
و أنكروها ..
وفركوا أعينهم جيدًا ليتأكدوا
فوجدوا الجنة غير الجنة التى رأوها قبل ذلك ..
بل وجدوها قد استحالت على تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار ،
إلى أن صارت سوداء مدلهمة،
لا يُنتفع بشيء منها ،
فاعتقدوا أنهم قد أخطأوا الطريق ..
قالوا إنا لضالون ،
وأخذوا يبحثون عن جنتهم مرة أخرى ،
و لكن كيف يضل الإنسان عن أرضه ؟!
كلا .. إنها أرضهم بعينها ،
فتأكدوا أنها هى جنتهم .
وأخذوا يتعجبون ما الذى حدث ؟
وما الذى فعل ذلك بجنتهم ؟!
إنهم ضالون عن الحقيقة و ليسوا ضالين عن جنتهم ،
وإنما حرمهم الله بمشيئته و حكمته .
فقالوا: بل نحن محرومون ، بسبب ذنوبنا .
و هناك علاقة بين ضلال الإنسان و حرمانه ،
و بلوغ الإنسان إلى تطلعاته و أهدافه ، متصل بالمنهج الذي يتبعه في الحياة ،
فحينما يخطىء اختيار المنهج أو يضل عن المنهج الصحيح ،
فإنه بصورة طبيعية مباشرة ،
سيُحرم ليس من أهدافه المعنوية فقط ،
بل حتى المادية منها ،
فإن العبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه
ودار بينهم حوار طويل ..
قال أخوهم الذى نصحهم قبل ذلك:
ألم أقل لكم لولا تسبحون الله ،
بشكر نعمته وبتأدية الزكاة للفقراء ؟!
فطأطأوا رءوسهم ، ثم نظروا إلى أخيهم الذى كان متحمسًا لعدم أداء حق الفقراء ،
وقالوا له: أنت الذى شجعتنا على ذلك ،