من فيها أذل من فيها.
فلما رجعنا بعد أن ودّعناه انكسر في تلك الليلة البحر، ونقص الماء، وغلا الخبز وغيره، وما بقي شيء يُلتقى، وبقيت الناس تلعنهم ويقولون: غرّقوا ابن تيمية في البحر، ما بقي يطلع. فطلع جماعة من أكابر اسكندرية وصلحائها التقوا الشيخ، وقعد في البرج الأخضر حتى طلع السلطان الناصر من الكرك، وهرب بيبرس من السلطنة وسير بطلبه مكرما [1] .
(تمت مذاكرات خادم الشيخ)
(1) = السلطان الملك الناصر حفاوة فوق الذي يكون للملوك، وأراد أن يعاقب الذين آذوه فمنعه الشيخ من ذلك.
وكان السلطان الناصر قد خلع بتواطؤ أعدائه من الحكام ورجال الجيش مع العلماء الرسميين والفقهاء، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وكانت إقامة الناصر في تلك الفترة بمدينة الكرك بشرق الأردن، ثم انقلبت الحال على أعدائه فعاد إلى أريكة الحكم. والعجيب أن الذين تواطأوا عليه من الحكام والعلماء الرسميين هم الذين كانوا أيضا متواطئين على شيخ الإسلام ابن تيمية. ولو شاء الشيخ بعد انقلاب الحال أن يقتص منهم بحقه جزاء بغيهم عليه لفعل، لكنه عفا وصفح. قال قاضي المالكية ابن مخلوف: ما رأينا أتقى لله من ابن تيمية، لم نبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا.
1-قال الحافظ ابن عبد الهادي المقدسي في العقود (ص 277) بقي الشيخ بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر مقيما ببرج مليح نظيف له شباكان أحدهما إلى جهة البحر، يدخل إليه من شاء، ويتردد عليه الأكابر والأعيان والفقهاء ويقرأون عليه ويستفيدون منه. فلما دخل السلطان الناصر إلى مصر، وكان قدومه يوم عيد الفطر سنة 709، أنفذ لإحضار الشيخ من الإسكندرية في