مرجع لمزية في اختيار وجه نظمى في سياق التأليف هو الغرض الذي يوضع له الكلام … ففي قوله: {وتوبوا إلى الله جميعًا أيّه المؤمنون} [سورة النور] ، اختيار"توبوا إلى الله جميعًا"على قوله"توبوا إلى الله توبة نصوحًا"، وتقديمه على النداء ـ مرجعه الغرض والسياق الذي نصب له الكلام، وموقع الأمر من النداء واستعماله معه دون النهي مثلًا، وذلك في حق"المؤمنين"، واستعماله مع"أيّه"دون"يا أيها"، ومع"المؤمنين"دون"الذين آمنوا".
هكذا يتضح موقف الإمام من مرجع المزية إلى ألفاظ الخطاب أم معانيه. مثلما اتضح بيانه مقومات تمام بلاغة الخطاب و أدبيته، ليبقى أمامنا بيانه عمود بلاغة هذا الخطاب وإتمامها وكمالها في النظم.
إذا ما كان قد اكتفى ببيان مقومات تمام بلاغة الخطاب الثلاثة، والطريق إلى تحقيقها في موطن واحد من كتابه"دلائل الإعجاز" (1) ، فإن الأمر على خلافه بشأن تفصيل وتبيين عمود بلاغة الخطاب، فإنك واجده قد عمد إلى تكرير وتصريف البيان عنه في مواطن عديدة من"الدلائل"، مما قد يحسب حاسب أنّ في الأمر اضطرابًا في تأليف الكتاب ونسقه، وأن كلامه عنه في موطن مغن عن بقية كلامه في سائر المواطن الأخرى.
والأمر في هذا أجْملُ به الرَّيثُ ـ فإنَّ من منهج البيان القرآني أنه يكثر من التصريف البياني للشيء الرئيس من أمر الإسلام، ويذكره مصرفًا في مواطن عديدة من القرآن الكريم كمثل ما تراه في شأن"التوحيد"هو عظيم تصريف البيان عنه، بل تكاد تراه حاضرًا ـ تصريحًا وتلويحًا ـ في أغلب آيات الذكر الحكيم يدرك ذلك أهل الفراسة البيانية، وما ذاك إلا من عظيم شأن التوحيد، فهو عمود الدين وأساسه، وبغيره لا قيمة لأي شيء وإن كان في نفسه جليلًا.
(1) انظر: الدلائل: ص43، ف35.