ويزيد الإمام الاستعارة بجلاء في إبداعها فيشير في"الأسرار"إلى أنه: (( قال:"بأعناق المطي"، ولم يقل"بالمطيّ"؛ لأنَّ السرعة والبطء يظهران غالبًا في أعناقها، ويَبِين أمرُهما من هواديها وصدورها، وسائرُ أجزائها تستند إليها في الحركة، وتتبعها في الثقل والخفة، وتعبّر عن المرح والنشاط، إذا كان في أنفسها، بأفاعيل لها خاصة في العنق والرأس، وتدل عليهما بشمائل مخصوصة في المقاديم ) ) (1) .
كأنك بالإمام عبد القاهر يومئ إلى أنَّ الشاعر في قوله"بأعناق المطي"يشير فيما يشير إليه من المعاني المتكاثرة، ما كان من نصيب هذه المطي من الأريحية والنشاط والمرح. فإذا ما كان ذلك الأنس والاستشراف إلى لقاء الأحبة وتنسّم روائح الأوطان قد جعلهم يأخذون بأطراف الأحاديث بينهم، بدلًا من أن يأخذوا بأطراف ـ بأرسان ـ تلك المطي، فإنَّ مثله قد كان بأنفس مطيهم"دهم المهارى"، فأخذ النشاط منها كل مأخذ فسالت بأعناقها الأباطح. وفي هذا من التجاوب الشعوري بين الركاب والركبان ما يُوحِّدُ بين الركب كله، وما ينشر عليه عبق التواصل وجلال التراحم.
جزى الله مؤلِّفه خيرًا ، ولا تنسوا مخرجه من صالح دعائكم.
21/9/1421هـ، ثمّ 14/10/1421هـ
كانت هذه الورقة راغبة في أن تلج قضايا ذات رحم بنظرية النظم الجرجانية. من تلك القضايا:
المعدن الذي تخلق فيه جوهرها وجرثومتها، والأطوار التي مرت بها ـ ولاسيما عند أبي علي الفارسي، والقاضي عبد الجبار ـ حتى كانت في فكر عبد القاهر ولسانه.
نظرية النظم وتعدد المعاني في النص الشعري.
نظرية النظم والغموض الأدبي ومستوياته.
نظرية النظم والعدول في مجال الإبداع الشعري (الحرية والالتزام) .
نظرية النظم والسياق في نقد الشعر.
نظرية النظم وجدليّة الطبع والصنعة: قراءة في شعر الطائيين والمتنبي من خلال اختيارات الإمام.
(1) أسرار البلاغة: ص23.