الصفحة 45 من 117

فأساس حقيقة نظم الكلام التي بنى عليها عبد القاهر مذهبه لا تستقيم له في بيان نظم القرآن الكريم الذي هو أساس إعجازه عنده، وكان عليه أن يفرق بين حقيقة النظم في بيان الخلائق وبيان النظم في بيان الوحي. وكنت على ألا أعرض لهذا هنا، فإن مجاله القول في بلاغة القرآن ونظمه، وليس مجاله القول في النظم في بيان البشر، حيث القول هنا معقود لمنزلة نظرية النظم في نقد النصوص الإبداعية، ولكني رغبت البيان وفاء بحق العلم وإعلاء له على حق آداب البحث والمناظرة.

إذا ما كان الإمام عبد القاهر قد ذهب إلى أن مناط النظم هو مناط الفكر والتأمل والصنعة، وهو المعاني لا الألفاظ، وأن الألفاظ ما هي إلا تابعة في نظمها وترتيبها وتأليفها وتركيبها لمعانيها، وكان ذلك النظم الواقع أولًا في المعاني المكنونة المنسوقة في الصدور، فإن الإمام يعمد إلى بيان هذا النظم وعياره الذي قد أجمع العلماء على أنه (( لا فضل مع عدمه، ولا قدر للكلام إذا هو لم يستقم له، ولو بلغ في غرابة معناه(أي أغراضه ومواده الأولية) ما بلغ. وبتَّهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه، ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار، والعمود الذي به الاستقلال )) (1) .

وهذا يجعله جديرًا بأن يُعنى بكشف جوهره وحقيقته وهويّته، وأن يردد هذا ويكرر ويصرف البيان المصور له، وذلك ما كان من الإمام عبد القاهر. عمد إلى تحرير مفهوم النظم وتقريره بأنه (( ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها ) ) (2) .

(1) الدلائل: ص80، ف74.

(2) الدلائل: ص81، ف75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت