وهذا ما يجعل ما يرمي إليه من قراءة النظرية الجرجانية ممثلة للفكر البلاغي العربي في شعر العربية، فيرى تلك النظرية واقعًا في نسيج الإبداع الشعري، فالأساس عنده تحليل الشعر وتذوقه، وليس شرح النظرية نفسها بأي نهج كان الشرح. التحليل والتذوق للنص الأدبي هو السبيل المطرق إلى كشف كثير من دقائق ولطائف تلك النظرية، وإلى البناء على ما جاءنا منها من الأقدمين، وليس من سبيل إلى استكمال جوانبها إلا بتحليل النصّ الشعري، مسترشدين بأصولها ومنهجها. وهنالك ممارسات نقدية انطلقت من أصول تلك النظرية في قراءة النص الشعري، على نحو ما نراه عند الدكتور عبده بدوي فيما كان ينشره في مجلة"الشعر"، وفيما نشره في بعض كتبه، وما نراه في محاولتين للدكتور عبده زايد من قراءة معلقة زهير وقصيدة حريق ميت غمر لحافظ إبراهيم، وغيرهم غير قليل، وكلها ممارسات تؤكِّد أهمية نظرية النظم في نقد النصّ الأدبي.
الذي يقرأ"الدلائل"يجد الإمام عبد القاهر في مفتتحه يعرض لصنيع العلماء من سلفه في بيان معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات، وتفسير المراد بها. وهو إنما ينظر في مقالتهم في هذا؛ لأن مقالتهم هذه مقالة فيما هو الجدير بِأن يكون مناط النظر والقراءة التأملية التحليلية التأولية والتلقي الماجد في البيان الأدبي العالي.