ذلك ما يقيم الشيخ قراءته على أساسه، مستصحبًا مقالة الإمام في تعيين طريق تحقيق مقومات تمام بلاغة الخطاب الأدبي، التي يقول فيها: (( ولا جهة لاستعمال هذه الخصال غيرُ أن تأتي المعنى من الجهة التي هي أصح لتأديته، وتختار له اللفظ الذي هو أخصّ به، وأكشف عنه، وأتم له، وأحرى بأن يُكسبه نبلًا، ويظهر فيه مزية ) ) (1) . وقارئ صنيع شيخنا أبي موسى في هذا الكتاب:"قراءة في الأدب القديم"يدرك أنه لم يسع إلى تطبيق نظرية النظم الجرجانية، بل إلى تحليل النص الشعري، مستهديًا بأصول تلك النظرية، ولذلك لم يشأ أن يكبل حركة تذوقه وتحليله بجزئيات تلك النظرية، ولم يشأ أن تكون قراءته للنص قراءة استنساخية لنظرية النظم الجرجانية فيها، فيكون صنيعُه المتحدثَ بلسان تلك النظرية، ولم يشأ أن تكون قراءته للنص قراءة تأويلية لنظرية النظم الجرجانية، التي تسعى إلى تأويل ما قد يحسب أنه وجه نقص أو إغفال لبعض وجوه النظر النقدي للنص، فهو لا يقيم حاله جنديًا على ثغر من ثغور النظرية الجرجانية، ولكنه يعمد إلى القراءة التحليلية لواقع النصّ الأدبي مسترشدًا، لا مكبّلًا، بأصول النظرية الجرجانية. واقرأ أولًا مقدمتي كتابه الأولى والثانية، ثمَّ تابع القراءة في ممارسته التحليلية تجد مصداق الذي ذكرت لك، بل تجده في ممارسته التحليلية أجلى وأبهر مما تجده في مقدمتيه.
(1) الدلائل: ص43 ف35.