فهو كما ترى يربط بين علاقات الأحداث وتناسلها، فـ"الأخذ بأطراف الأحاديث"إنما هو ثمرة من ثمار وطَاءة الظهر وسرعة السير، المدلول عليها بقوله:"سالت بأعناق المطي الأباطح"، فقدَّم لك ما كان من حالهم في نشاط نفوسهم وانشراح صدورهم وأريحية أفئدتهم، البادية في تنازعهم أطراف الحديث، لتعلم منها أولًا أنما كان ذلك واردًا عليها من روافد عدة، منها نشاط سيرهم، فتأتيك الاستعارة، وقد وطأ لها، ومهَّد الطريق إلى قلبك، فتدخل عليه دخول أُنْس. فهذا ضرب من تناسل المعاني والصور الشعرية يزيد من إحكام النسج وشدة الحبك.
وعبد القاهر في"دلائل الإعجاز"يقف عند الاستعارة في"سالت"وقفة يوفي بها بعض حق الاستعارة من القراءة والتلقي، ويجعل الاستعارة في قوله"سالت بأعناق المطي الأباطح"من الخاصّي النادر، الذي لا تجده إلاّ في كلام الفحول، ولا يقوى عليه إلا أفراد الرجال، كما يقول. ويبين أن الشاعر (( أراد أنها سارت سيرًا حثيثًا، في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلاسة، حتى كأنها كانت سيولًا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها ) ) (1) .
ويشير إلى مناط الغرابة المعجبة الآخذ بالنفس في هذه الاستعارة، فلا يراه في أنه (( جعل المطيّ في سرعة سيرها وسهولته كالماء يجري في الأباطح، فإن هذا شَبَه معروف ظاهر، ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها، بأن جعل"سال"فعلًا للأباطح، ثمًّ عداه بالباء، بأنْ أدخل الأعناق في البين(أي بين الكلام ونسجه) ، فقال:"بأعناق المطي"، ولم يقل:بالمطيّ"، ولو قال:"سالت المطي في الأباطح"لم يكن شيئا )) (2) ."
كذلك يبين الإمام مناط الإبداع في هذه الاستعارة، وإخراجها من حيّز المبذول المتداول في ألسنة الدهماء إلى خصوصيتها الشعرية الفريدة، التي هي أجدر بالانتساب إلى الشاعر. وإبصار مناط الجدة الشعرية فيما لاكته الألسن، فأُخلق من كثرة الرّد، إنما هو من نفاذ بصيرة القارئ المتلقي.
(1) الدلائل: 74.
(2) السابق: 75-76.