وفي هذا الطيّ ما يفيد أن ما كان بين شدّ الرجال، والأخذ بأطراف الأحاديث، قد انقضى من غير أن تشعر النفس به من عظيم استشرافهم إلى غايتهم، من"تسنّم روائح الأحبة والأوطان، واستماع التهاني والتحايا من الخُلاَّن والإخوان"، وهذا من فصاحة المسكوت عنه، فإنك في مثل هذا ترى: (( الصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبن ) )، كما يقول عبد القاهر في فاتحة باب"القول في الحذف" (1) .
وقراءة أدبية الإضمار والطي للأحداث في التصوير الشعري، تمنح المتلقي متعة عالية، إذ تجعله قائمًا بعقله وذوقه في نسيج الصنعة الشعرية، وهذا يمنح الصورة الشعرية تجددها وتنوعها بتنوع القراء، فلا تبلى الصورة ولا تنضُب.
وهذا الذي قاله الشاعر في"أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"كان منه توطئة لمقدم استعارة بديعة، مكَّن لها فلاطت بالقلوب وتغلغلت: تلك التي في قوله:"سالت بأعناق المطي الأباطح". يومئ عبد القاهر إلى ذلك قائلًا: (( ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة طبَّق فيها مَفْصِل التشبيه، وأفاد كثيرًا من الفوائد بلطف الوحي والتنبيه، فصرّح أولًا بما أومأ إليه في الأخذ بأطراف الأحاديث، من أنهم تنازعوا أحاديثهم على ظهور الرواحل، وفي حال التوجه إلى المنازل، وأخبر بعدُ بسرعة السير، ووطَاءة الظَّهْر، إذ جعل سلاسة سيرها بهم كالماء تسيل به الأباطح، وكان في ذلك ما يؤكِّد ما قبله، لأن الظهور إذا كانت وَطِيئة وكان سيرها السير السهل السريع، زاد ذلك في نشاط الرُّكْبان، ومع ازدياد النشاط يزداد الحديث طيبًا ) ) (2) .
(1) دلائل الإعجاز: ص146.
(2) الأسرار: 23.