كذلك فهم أستاذنا"أبو كريشة"مقالة ابن رشيق، ومن ثم استغربه قائلًا: (( وهو استحسان غريب، لا أدري حينئذٍ كيف تتجمع الأبيات مع بعضها في قصيدة واحدة، وعلى أي أساس توجد الأبيات في قصيدة ولا توجد في أخرى؟ أما كان الأولى والحالة هذه أن تفرد الأبيات، ويجعل كل بيت قصيدة قائمة برأسها، ونجعله نوعًا من القصيدة بناء على هذا الاستحسان؟ … ) ) (1) ، وهذا الذي ذهب إليه أستاذنا فيه نظر.
الاستحسان الذي ذهب إليه أناس لم يوافقهم عليه ابن رشيق، هو ذلك الذي يكون فيه الشعر مبنيًا بعض حسنه على بعض، بحيث لا يكون لبعضه حين ينظر إليه من الحسن ما يكفي ويغني، بل تجدك خالي الوفاض، وليس في يدك شيء من الحسن ما لم يفرغ من الشعر كله. وهذا عند المدققين غير مستحسن، بل الأعلى والأجدى أن يكون كل جزء من الكلام ذا فضل في نفسه، وذا عطاء من رحمه، وذلك الفضل والعطاء ينمو ويتكاثر حين تعتصم الأجزاء ببعضها وتتآخى، وهذا ما تراه عند بعض النقدة. قيل لحماد الراوية:"بم تقدم النابغة؟"فقال:"باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا، بل بنصف بيت، لا، بل بربع بيت، مثل قوله:"
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
كل نصف يغنيك عن صاحبه، وقوله: أي الرجال المهذب؟ ربع بيت يغنيك عن غيره"وقد نقل أستاذنا هذا في موضع سابق (2) ."
فحماد لا يدعو إلى أن يكون كل ربع من البيت مستقلًا مفصولًا عن بقية أرباع البيت، فهذه مزق لا يقول به من به أدنى معرفة لحسن الشعر. هو يدعو إلى أن تكون أجزاء البيت كحبات"الدر"في العقد النضيد من جهة، وكالعضو من بدن الإنسان من جهة أخرى. هو إذا أفرِد كان له قيمة في نفسه، تُضاف إليها قيمة تأتيه من نسقه مع شقائقه، وهو في الوقت نفسه تجرى فيه الروح الجارية السارية في بقية الأجزاء/ الأعضاء.
(1) الموضع السابق.
(2) المرجع السابق: 419.