بالمسألة ولكن من وحي الواقع السياسي ألا تشعر القاعدة أنها تضخمت في العراق وحملت أوزار الآخرين في غير أوانها بفعل إعلان الدولة؟ نظريا ربما يكون الجواب صحيحا، ولكن واقعيا فكما يقولون:"أهل مكة أدرى بشعابها".
بقيت ملاحظة في هذا السياق، فالقاعدة هي إحدى الأدوات الضاربة لتيار السلفية الجهادية، ولكن تحولها إلى دولة ربما يكون ألحق بها الضرر من حيث لا تدري. فهي انتقلت من تنظيم لا مركزي، ولكنه شديد الصرامة وقادر على السيطرة ومراقبة جميع عناصره وتشكيلاته المسلحة، إلى تنظيم يتحدث عن نفسه رفقة جماعات أخرى بوصفه جيش الدولة. والسؤال: ألا يمكن أن يشكل هذا التحول مدخلا للغلو؟ ثم من يضمن ألاّ تعبث بعض القوى والمجرمين بأمن الناس ثم يجري تحميل المسؤولية للقاعدة ومنها إلى الدولة؟ وفي حالات مماثلة من الاختراق أو الغلو أو التستر أو الادعاء، وبقطع النظر عن الفتوى وظروفها، ألا تبدو نصيحة الشيخ حامد العلي بالعودة إلى الوضع الفصائلي أكثر جدوى وأأمن على المشروع الجهادي؟
بالتأكيد لا نستطيع الإجابة، ولو أن التبريرات التي قدمت لإعلان الدولة كانت كافية وصريحة للعامة وللنخبة لما كانت الطعون فيها بهذه السهولة، ولما اضطر الكثير لإثارة التساؤلات بين الحين والآخر والتوجس الدائم من قادم الأيام.
4)ثم لا بد من إيراد مسألة بالغة الأهمية وهي اشتراط الفقه على العامة كما لو أن العامة على توحيد كامل، والحقيقة أنه لا العامة قادرة على تقبل التوحيد الكامل ولا الأمة مهيأة لتعيش لحظة حرية بعد. فإذا كان المجاهدون على صبرهم وعظمتهم وتضحياتهم، في أيامنا هذه ونمط حياتنا هذا وطول عقود أو قرون غياب الشريعة، يمكن أن يقعوا في الخطأ وربما الشرك من حيث يدرون أو لا يدرون فكيف بعامة الناس التي وصفها سيد قطب في يوم ما بأنها تعيش جاهلية القرن العشرين؟
وأذكر في هذا السياق توصيات د. نوري المرادي التي وجهها إلى فصائل المقاومة العراقية أنقل فيها ما ورد في البند الثاني:"أن يخفف فصيل قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اشتراط الفقه على العامة، فلا يضع معها سياسة الحرب في غير موضعها".
وحين ألقى الشيخ البغدادي خطابه الأخير كنت بحق مشغولا بخطاب الظواهري ولم يتسن لي تحليل خطاب البغدادي، والحقيقة أنني امتنعت عن ذلك لأن مضمون الخطاب بدا لي مليئا بالطلاسم التي تحدث عنها بيان الجيش الإسلامي فضلا عن بعض المواقف والفقهيات التي شعرت أنها سهلة المنال في الظروف الحالية، وخشية من الفتنة آثرت الصمت لأن الناس لا يهمها المسائل التوافقية التي لا يختلف عليها أحد بقدر ما يهمها التوقف عند الاختلافات مهما صغرت. ومن هذه الاختلافات سأعقب على مسألة تحريم الأطباق اللاقطة.
فالتلفزيون هو جهاز عام من أساسيات أي منزل ومن أساسيات الإعلام المعاصر ومن المستحيل الاستغناء عنه بالسهولة التي يجري بها تحريمه، فضلا عن أنه موضوع إثارة بالغة بما أنه يمس العامة من الناس، أفرادا وجماعات، لا فقط هذه الشريحة أو تلك. وكباحث أكاديمي كنت قد أنجزت دراسة عن المجتمع والفرد في الفضاء السيبيري (فضاء الانترنت) وتطور العلوم الرقمية، وأذكر أن بل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت قال في تصريح خطير جدا قبل ثلاثة سنوات: أننا ما زلنا في مرحلة نزع القشرة عن العلوم الرقمية مما يعني أن أحدا لا يمكن له أن يتنبأ أين