الصفحة 55 من 208

فعل + فاعل + مفعول به اول + مفعول به ثانٍ

وان الأثر الاسلوبي في التركيبين يعود الى التكرار في صيغة الكلمتين في آخر كل آية (تركيب) .

فكل نص يتركب من وحدات تركيبية، او مجموعة من الكلمات تكون ذات بنية اصلية والوحدات التركيبية او الكلمات التي يتكون منها التركيب ليس لها صفات ثابتة [1] ، من خلال تغيير ترتيب مواقعها في بنية التركيب بتقديمها حينا وتأخيرها حينا آخر، ولكن الأثر الاسلوبي مع ذلك يبنى على التكرار في تلك البنية، من ذلك قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [2] .

فقد أعيد التركيب لتقرير معنى الآية في النفوس وتمكينها من القلوب لابمعنى انهما يحدثان في وقت واحد [3] .

وعندما ننظر في بنية تركيب الايتين نجد إعادة ترتيب مواقع كلماته بتقديم الخبر على المبتدأ، ولكن الفاعلية الاسلوبية فيهما قد تحققت بتكرارهما معًا بكامل تركيبهما النحوي.

ونخلص إلى القول: إن بنيات بعض التراكيب النحوية لها صفات نحوية ثابتة بتطابقها مع اصول اللغة المعيارية ولكنها تكتسب الأثر الأسلوبي من تكرار الكلمة نفسها في بنية التركيب النحوي الثابتة فتمنحه تجديدًا دلاليا، ويحقق فيه التكرار ملامح اسلوبية لانجدها في التركيب نفسه عندما لاتتكرر تلك الكلمة فيه او لاتتكرر بنيته كلها في العبارة، فمعنى قوله تعالى: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [4] ، أشار إلى التكرار في (أن الارض دكت دكًا بعد دك، وأن المجيء كان صفًا بعد صف) [5] .

فالآيتان الكريمتان لهما تركيب لايخرج عن معيارية اللغة في الترتيب اذ تتكون الآية الاولى من:

(فعل مبني للمجهول + نائب فاعل + مفعول مطلق) .

وهو ترتيب وظيفي وتكرار الكلمة بعد المفعول المطلق (دكًا) الاولى كان مركز التركيب وتكثيرًا لحدثه مما يمنحه الاثر الاسلوبي الذي يميزه من اصل الوضع للتركيب نفسه فيما لو توقف بناء التركيب عند المفعول المطلق ولم يكرر لفظه في بنيته.

والكلام نفسه نجده في تركيب الآية الثانية اذ تتركب من:

(فعل + فاعل + اسم معطوف + حال)

وان تكرار الاسم في الآيتين انما جاء للتكثير [6] .

ونخلص من هذا المبحث الى أن تعدد طرق الاستدلال ببنية التراكيب النحوية وتنوع اساليبها يمنح التراكيب خصائص ابداعية مما يجعل من كل بنية ركيزة تثير الانتباه لدى المتلقي لفهم حاجات المتكلم في ايصال مايريده من المعاني وان ذلك يخضع لاتجاهين هما:

الأول: ... لايعد الخروج عن الثوابت النحوية الاساس في التعبير عن الخصائص الاسلوبية في بنية التركيب النحوي وانما يكون خاضعا لما نعرفه من ثوابت في ترتيب التركيب ومعياريته ولكنه يكتسب خصائصه الاسلوبية من خلال ابقائه تلك الثوابت.

وأن تميز الأثر الأسلوبي لبنية التركيب النحوي قد لا يكون عن طريق تكرار كلمة او صيغة معينة فيه حصرًا، بل قد يكون تكرار التركيب كاملا هو المثير في بنية ذلك التركيب.

أما الآخر: فإنه يعتمد المتغير الاسلوبي في ترتيب الكلمة وموقعها في بنية التركيب النحوي من خلال تغييره الثوابت النحوية في تلك البنية عن طريق التقديم والتأخير او تغيير الحركة الاعرابية أو استبدال صيغة بأخرى او حرف بآخر.

(1) ينظر: مبادئ النقد الادبي، ريتشاردز، ترجمة الدكتور محمد مصطفى بدوي: 191.

(2) سورة الشرح، الآيتان / 5و6.

(3) ينظر: الكشاف عن حقائق التنزيل: 1/ 771؛ وتفسير التحرير والتنوير: 30/ 415.

(4) سورة الفجر، الآيتان / 21 - 22.

(5) ينظر: الكشاف عن حقائق التنزيل: 4/ 751؛ وتفسير التحرير والتنوير: 30/ 336 - 337.

(6) ينظر: البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي: 2/ 386؛ وتفسير التحرير والتنوير: 30/ 336

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت