مدخل
أسس الاستقامة والاحالة في بنية التركيب النحوي
انتهى الفصل السابق عند دراسة التركيب النحوي من جهة الوضع الاول (الاصلي) ، ومايطرأ على هذا الوضع من تغيير عندما لانريد معناه من ظاهر لفظه وانما نبحث على معناه من خلال معنى ظاهر للفظ أي (المعنى الثاني) لذلك التركيب وتم ذلك من خلال دراسة موجزة عن التراكيب في التمثيل والاستعارة والكناية.
وفي هذا الفصل سنتناول دراسة بنيات التركيب النحوي من خلال مستوياته من جهتين:
الاولى: دراسة المستوى النحوي ويشمل مستويي الصواب والخطأ.
والاخرى: دراسة مستوى الجودة ويشمل مستوى الصحة النحوية ومستوى الابداع، وكلتا الجهتين اللتين ستتم دراستهما تبدأ من نص سيبويه في تبويبه أقسام الكلام اذ يشير الى ذلك بقوله:"فمنه مستقيم حسن، ومحال ومستقيم كذب ومستقيم قبيح وماهو محال كذب، فأما المستقيم الحسن فقولك: (أتيتك امس) و (سأتيك غدًا) وأما المحال فأن تنقض أول كلامك بآخره، فتقول: (أتيتك غدًا) و (سأتيك امس) ."
وأما المستقيم الكذب فقولك: (حملت الجبل) و (شربت ماء البحر) ، ونحوه وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: (قد زيدًا رأيت) ، و (كي زيدًا يأتيك) واشباه هذا.
وأما المحال الكذب، فأن تقول: (سوف أشرب ماء البحر أمس) [1] .
وتعد هذه السطور القليلة لفتة فذة وضع فيها سيبويه في اشارته هذه بذور نظرية نحوية يندمج فيها المستوى النحوي مع المستوى الابداعي لأن المعنى النحوي الاول الذي تمثله الوظائف النحوية المختلفة هو الذي يسهم في اطلاق الحكم على المستوى الابداعي (الفني) لبنية التراكيب من حيث الجودة أو الفساد.
ويبدو للباحث أن الكلام المحال في تمثيل سيبويه السابق هو التركيب غير المسموح به الذي تواضع عليه العرب في لغتهم لأنه يؤدي الى خلل في المعنى، لذلك عندما نتتبع تمثيل سيبويه لكل نوع نجد ان لكل تركيب من هذه التراكيب خصائص
(1) كتاب سيبويه: 1/ 25 - 26.