أدلة القول الأول: استدل لهم ابن قدامة (1) في المغني قائلا:"إن الله أحل البيع, ولم يبين كيفيته, فوجب الرجوع فيه إلى العرف, كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق. والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك. ولأن البيع كان موجودًا بينهم معلومًا عندهم, وإنما علّق الشرع عليه أحكامًا, وأبقاه على ما كان, فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم, ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه - مع كثرة وقوع البيع بينهم - استعمال الإيجاب والقبول, ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا. ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله, ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله; ولأن البيع مما تعم به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه - صلى الله عليه وسلم - بيانا عاما, ولم يخف حكمه; لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا وأكلهم المال بالباطل, ولم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه. ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر. ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا, فكان ذلك إجماعا..ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي, فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما; لعدم التعبد فيه" (2) .
(1) هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي أبو محمد موفق الدين, من أكبر الحنابلة وفقهائهم, وكان من بحور العلم وأذكياء العالم. توفي سنة: 620? في دمشق. له مؤلفات كثيرة, منها: المغني شرح مختصر الخرقي, وروضة الناظر في أصول الفقه، والبرهان في مسائل القرآن, وغير ذلك. ينظر: سير أعلام النبلاء, (22/165) , وشذرات الذهب, (7/155) , والأعلام للزركلي, (4/67) .
(2) المغني, ابن قدامة, (6/8-9) .