أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأن المبيع معلوم عند العاقدين, أشبه ما لو شاهداه حال العقد, والشرط إنما هو العلم, وإنما الرؤية طريق للعلم, ولهذا اكتفي بالصفة المحصلة للعلم, كما لو رأيا دارًا, ووقفا في بيت منها, أو أرضا, ووقفا في طريقها, وتبايعاها, صح بلا خلاف مع عدم المشاهدة للكل في الحال. ولو كانت الرؤية المشروطة للبيع مشروطة حال العقد لاشترط رؤية جميعه (1) .
أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأن الرؤية شرط في العقد, فاعتبر وجودها في حال العقد كالشهادة في النكاح (2) .
أجيب عن هذا الاستدلال بأن الشهادة في النكاح تُراد لحل العقد والاستيثاق عليه, فلهذا اشترطت حال العقد (3) .
الترجيح:
بعد عرض أدلة القولين والإجابة عن دليل القول الثاني تبين رجحان القول الأول القاضي بجواز البيع بالرؤية المتقدمة.
وجه تطبيق القاعدة على هذه المسألة:
البيع بالرؤية المتقدمة جائز عند جماهير العلماء, كما سبق بيانه, بشرط ألا يتغير المبيع, ومتى وجد المبيع بحاله لزم البيع, وإن كان ناقصًا ثبت الخيار للمشتري; لأن ذلك كحدوث العيب (4) , وكما أن العيب اليسير مغتفر, لا يثبت به الخيار, فكذلك التغير في المبيع يغتفر ويعفى عنه إذا كان يسيرًا.
ضابط اليسير في هذه المسألة:
اليسير في هذه المسألة هو التغير الذي لا يؤثر في قيمة المبيع, وضبطه بعض العلماء بأن تكون الغيبة بين الرؤية وانعقاد البيع يسيرة, ولكن لا حد للزمن الذي لا يتغير فيه المبيع تغيرًا مؤثرًا, إذ المبيع منه ما يسرع تغيره, وما يتباعد, وما يتوسط, فيعتبر كل بحسبه (5) .
(1) المغني, ابن قدامة, (6/35) .
(2) المهذب, مع شرحه المجموع, (9/348) .
(3) المغني, ابن قدامة, (6/35) .
(4) المرجع السابق, (6/35) .
(5) ينظر: المرجع السابق, (6/35) , والموسوعة, (22/19) .