فهرس الكتاب
والوجه الآخر: أن الله قال لإبليس: { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } قال إبليس مجيبًا له: أنا خير منه. فأخبر بالعلة التي من أجلها لم يسجد، وأخبره تعالى بالعلة التي لها أوجب عليه السجود، وهو أن خلقه بيده، فلو كانت اليد القدرة التي خلق آدم بها وبها خلق إبليس لم يكن لاحتجاجه تعالى عليه بما يوجب عليه السجود معنى؛ إذ إبليس مشارك لآدم فيما خلقه به تعالى من قدرته، ولم يعجز إبليس بأن يقول له: أي رب، وأي فضل له عليّ وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته؟ ولم يعدل إبليس عن هذا الجواب إلى أن يقول: أنا خير منه؛ لأنه خلقه من نار، وخلقه من طين، فعدول إبليس عن هذا الاحتجاج مع وضوحه دليل على أن آدم خصه الله من خلقه بيديه بما لم يخص به إبليس.
وكيف يسوغ للقدرية القول بأن اليد هنا القدرة مع نفيهم للقدرة؟!
وظاهر الآية مع هذا يقتضي يدين، فينبغي على الظاهر إثبات قدرتين، وذلك خلاف للأمة، ولا يجوز أن يكون المراد باليدين نعمتين لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق مثله؛ لأن النعم مخلوقة كلها، وإذا استحال كونهما جارحتين، وكونهما نعمتين، وكونهما قدرتين، ثبت أنهما يدان صفتان لا كالأيدي والجوراح المعروفة عندنا، اختص آدم بأن خلقه بهما من بين سائر خلقه تكريمًا له وتشريفًا"ا.هـ. (10/436-437) ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدراسة:
ذهب ابن بطال هنا إلى ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، في إثبات اليدين لله - عز وجل - كما يليق بجلاله - سبحانه وتعالى -، قال ابن خزيمة:"باب ذكر إثبات اليد لله الخالق البارئ - جل وعلا-، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله أنه خلق آدم عليه السلام بيديه.. وأعلمنا أن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة .."ا.هـ. [1]
(1) انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/131) .