الصفحة 28 من 43

ما جاء في قصّة تحصن بني حنيفة يوم اليمامة في بستان لمسيلمة كان يُعرف بحديقة الموت , فلمّا استعصى على المسلمين فتحه، قال البراء بن مالك (و هو ممّن إذا أقسم على الله أبَرّه، كما في سنن الترمذي بإسناد صحيح) لأصحابه: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم فألقوه عليهم فقاتلهم حتى فتح الباب للمسلمين [رواه البيهقي في سننه الكبرى: 9/ 44، و القرطبي في تفسيره: 2/ 364] .

و هذا الفعل ليس له في لغة الإعلام المعاصر تسمية يعرف بها إلا أن يكون عمليّة استشهادية يسميها العلمانيون فدائيّة أو انتحاريّة.

رابعًا: لو نظرنا إلى المسألة بمنظار المصالح و المفاسد لرأينا أنّ الحرص على الشهادة يعوّض نقص العدة و العدد , و يؤثر في العدو أبلغ الأثر المادي و المعنوي، و من أمثلة ذلك ما نشهده في بيت المقدس و أكناف بيت المقدس، و ما شهدناه في جنوب السودان من عمليات الدبابين التي ترجمت واقعيًا أنّ حبّ المسلم للشهادة يفوق تمسّك الكافر بالحياة.

و لا يمنع من ذلك ما يراه الناظر بعينٍ واحدة، من همجيّة الرد، و عنجهيّة العدو، فإنّ هذه سنّة الله في عباده، و لنا العزاء في قوله تعالى: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ و تِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [آل عمران: 140] و قوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173] ، و قوله جلّ شأنه: (إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون) .

خامسًا: من أهل العلم المعاصرين من له في المسألة قولان كالشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله، و ما أحد قوليه بأولى من الآخر إذ إنّّّه يبني حكمه على مراعاة المصالح و المفاسد، فقد سُئل [في اللقاء الشهري العشرين] عن شابًّ مجاهد فجّر نفسه في فلسطين فقتل و أصاب عَشرات اليهود، هل هذا الفعل يعتبر منه انتحارًا أم جهادًا؟ فأجاب بقوله: (هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، و لا تجوز مثل هذه الحال إلا إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت