الأخرى تنبثق منها وتعتبر فرع من هذا الأصل، وبالتالي فكل من يحاول إزالة الفروع دون التفكير في إزالة الأصل فهو يشبه الذي يطرد الذباب ويُبقي على الأوساخ والمزابل، وما من شك في أن الذباب سيعود ويتوالد مادامت الأوساخ موجودة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام على أنه دعوة إلى ترك المنكرات الصغيرة تنتشر وتعشش في مجتمعاتنا وعقول أبناء أمتنا، بل بالعكس تمامًا، فكل منكر - مهما كان نوعه - ينبغي تغييره وإزالته، ولكن همّنا الأكبر هو الإعداد لإزالة هذا المنكر الأكبر الذي يمثل النبع لكل المنكرات الأخرى دونه.
أما التغيير باللسان الذي يأتي في المرتبة الثانية، فإنه يتمثل في الدعوة إلى الله تعالى بكل الوسائل والأساليب المشروعة، كل حسب موقعه، فالدعوة تكون تارة بالحسنى والتلميح (ما بال أقوام .. ) وتكون بالقول البليغ والمباشر مع فئات وتكون بالقول الغليظ حينما يستدعي الأمر ذلك {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا غَلِيظًا} .
أما المرتبة الأخيرة وهي الإنكار بالقلب، فهي تخص أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة، وهي حالة من الضعف التي لا ينبغي أن يتواجد فيها المؤمن، بل عليه دائمًا أن يبحث عن عوامل القوة اللازمة ليرتقي إلى المرتبتين الأولى والثانية.
فالإنكار بالقلب لا يعني أن يقبل المؤمن هذه المنكرات أو يشارك فيها أو حتى يتواجد في أماكنها، بل عليه الانسحاب بعيدًا وأن يقاطع ويتبرأ ويعادي كل من يقترف هذه المنكرات، كما فعل مؤمن آل فرعون أو امرأة فرعون قبل أن يصدعا بالحق فيغيرا باللسان.
كما أن الإنكار بالقلب ينبغي أن يدفع المؤمن إلى الإعداد والتشوق لبلوغ درجة التغيير باليد واللسان، فهو مقدمة لهما وليس نهاية المطاف كما يفعل أغلب المسلمين اليوم. حيث فهموا الحديث فهمًا خاطئًا وظنوا أن الإنكار بالقلب قد يشفع لهم عند الله، فقصّروا وفرّطوا في الأسباب التي تبَلِّغُهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان، وبسبب هذا الفهم القاصر والمحرف للنصوص الشرعية صارت الأمة غثاء كغثاء السيل، وتمكنّ الأعداء منها، وصار المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، بل وأصبح أغلب الناس يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
تبعات وعقبات