الصفحة 17 من 32

لا شك أن السبب الرئيس الذي يمنع الناس من القيام بهذه الفريضة - وبقية الفرائض المكلّفة - هو تبعاتها، فطبيعة النفس البشرية أنها تميل إلى أيسر الأمور وأخفها سواء في الأوامر أو النواهي، وهذا ما يشير إليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حُفّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات".

فالذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سيجد أمامه عدة عقبات مادية ومعنوية، لابد أن يتجاوزها أو على الأقل يقاومها ويصبر على أذاها، أهمها:

1 -الشيطان الرجيم، فهو صاحب المصلحة الأولى والكبرى في انتشار المنكرات وغياب المعروف، ليتمكن من تمرير وساوسه، وليصدق على الناس ظنه فيبعدهم عن طاعة ربهم. إن همَّ الشيطان الأكبر هو أن يرى غياب أهل المعروف من الساحة، فيأتي إلى هؤلاء ليُثَبِّطهم عن أداء واجباتهم، وذلك بأن يكبّر ويضخّم هذه المهمات في أعينهم ويقذف في قلوبهم اليأس والوهن، ويحبب إليهم بعض المهمات الصغيرة، كأن يُشغل الدعاة في العبادات الشخصية من صلاة وقراءة قرآن وصدقة وغيرها من العبادات التي لا صلة لها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيظن الداعية أنه يحسن صنعًا فَيَمْنُنْ ويستكثر هذه الأعمال، وينشغل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتحقق للشيطان ما يريد. أو أنه (أي الشيطان) يوحي إلى هؤلاء الدعاة بأن الناس لا يستحقون أن يُضحى من أجلهم بالأوقات وبالأموال فضلًا عن الأرواح، والأولى أن ينشغل المرء بنفسه وبيته، وكل امرئ حسيب نفسه، وربما يؤول له قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} تأويلًا خاطئًا، أو أنه يقذف في قلبه الخوف من تبعات هذا الطريق، بذهاب المال والمنصب والأهل، وأن في هذا ضرر على دينه ودنياه، فيستسلم الداعية لمثل هذه التخويفات الشيطانية، فيحجم عن أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مكتفيًا ببعض الطاعات الأخرى.

2 -أولياء الشيطان الذين يروِّجون هذه المنكرات ولهم المصلحة المباشرة في بقاء المنكر وغياب المعروف ليبُعدوا الناس عن دينهم ويفرضوا عليهم الباطل، ويتمثلون في هذه الأنظمة المرتدة وكل أجهزتها ومؤسساتها وكل من يحوم حولهم من المنافقين والعملاء والخونة، وهؤلاء يقفون بالمرصاد لكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر، ويدخلون في حرب طاحنة معهم، تبدأ بالترغيب ثم بالحرب النفسية لتشويه سمعة الداعية عن طريق نشر الإشاعات والأكاذيب وتنتهي بالترهيب عن طريق السجن أو التهجير أو القتل. وهنا ينبغي على الداعية أن يصمد ويصبر على تحمل تبعات هذه الفريضة، ويعتبرها قربانًا إلى الله تعالى وثمنًا لنيل رضاه، فإن هذه الفريضة تحتاج إلى صبر يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت