ولكن حينما يدرك المؤمن القيمة العظيمة التي ينالها حين يجهر بالحق، وحينما يمتزج هذا الحق بكل كيانه ويتمكن من قلبه وعقله وجوارحه، فإنه يستهين بكل العواقب ويستصغر كل العقبات، ويمضي قدمًا في بيان هذا الحق ونشره.
ومن الأسباب التي تحجم المؤمن عن قول كلمة الحق هو خوفه من لومة اللائمين، مثل قولهم: ما شأنك أنت بما نفعل؟ من طلب منك أن تتدخل في شؤون غيرك؟ لماذا لا تهتم بشؤونك وتترك غيرك يفعل ما يشاء؟ هل تستطيع أن تغير الواقع وحدك؟ وغيرها من عبارات التثبيط والاستهزاء والتقعيد عن أداء واجب الجهر بالحق وقول كلمة الحق في المكان والزمان المناسبين.
والمؤمن حينما يقرر القيام بواجب قول الحق، فإنه لا يضع في حساباته ضرورة استجابة الناس أو كسب مدحهم ورضاهم أو الخوف من قدحهم وغضبهم، إنما يقوم بذلك إرضاء لله تعالى وحده وإيمانًا منه بأنه واجب لابد أن يقوم به، ولا يخاف في ذلك لومة لائم. والله سبحانه هو الذي يبارك في وقفته وقولته فيفتح بها قلوب أناس ويغلق بها قلوب آخرين، فترى بعض الناس يسارعون إلى الاستجابة لداعي الحق بينما ترى آخرين يعقدون العزم على مواصلة العناد ومحاربة الحق.
فكم من كلمة حق قلبت موازين كثيرة وغيرت مجريات أحداث عديدة، فالمؤمن الصادق لا ينبغي له التردد بالجهر بالحق في الموقع والزمن المناسبين. كما أن الذي يجهر بالحق و لا يخاف في ذلك لومة اللائمين يجعل الله له مكانة سامية بين الناس ويكسب هيبة ورفعة حتى بين الأعداء، في حين تجد الذي يدهن أهل الباطل أو يخاف من الجهر بالحق لا قيمة له على الإطلاق ولا يُأبه لكلامه.
والواقع الذي نعيشه خير شاهد على هذا، فانظر إلى الفرق الكبير بين علماء وخطباء وقيادات الجماعات أو التنظيمات الإسلامية الذين يواجهون هذه الأنظمة المرتدة أو الكافرة في بلداننا، ويبوحون بالحق كاملًا غير ناقص، كلمات مدوية تزعزع عروش الطواغيت وتوقظ الغافلين من غفوتهم وتشحذ همم المخلصين للقيام بواجباتهم تجاه دينهم، فهؤلاء المجاهدون الصادقون تراهم مرهوبي الجانب من قبل الأعداء ويُحسب لكلامهم ألف حساب، يترقبون كلماتهم وتصريحاتهم ترقب الخائف الوجل، تحسبًا لكل طارئ، بينما ترى أولئك الذين يترددون على عتبات القصور ويطمعون في الفتات وفي عرض من الدنيا قليل، فيخلطون عملًا صالحًا بآخر سيئًا، يحرِّفون الكلم عن مواضعه، يُدهنون في الحق، فلا تجد لهم أي قيمة تُذكر لا عند الناس ولا عند هؤلاء الطواغيت أنفسهم. وقد شبه الله تعالى هؤلاء بالكلاب في قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ