وقد أشار إلى هذه الحقيقة الأنصاري أبو الهيثم بن التيهان خلال بيعة العقبة، حينما قال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
وكل الناس لديهم حبال وعلاقات مع فئات كثيرة في المجتمعات التي يريدون تغييرها، ولديهم مصالح مادية يحرصون عليها، أهمها تأمين حياة أهليهم وأبنائهم، وانتماؤهم لجماعات الحق من شأنها أن تؤثر سلبًا على هذه المصالح ويمكنهم أن يفقدوها كثمن لهذا الانتماء، والمؤمن مستعد أن يضحي بكل هذه المصالح في سبيل الله، وهو رغم ذلك يحاول أن يجد بديلًا عنها داخل تجمعه الإيماني، وهذا من طبيعة البشر وتعبير عن بعض الضعف الذي يعتريه:"فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟"
فكان جواب القيادة تعبيرًا على تحمل مسؤولية وتبعات هذه البيعة، قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم والهدم والهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم.
هكذا كالجسد الواحد، التحام متين وعلاقة وطيدة وتفاني في التضحية والدفاع عن هذا الجسد، لا مجال للتفريق بين عضو وآخر، والقيادة الصالحة تدرك هذا جيدًا وتجسده في الواقع الفعلي وليس بمجرد الكلمات المعسولة والوعود الكاذبة، بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم، فمنذ انتماء العضو إلى التجمع الجهادي تصبح جميع همومه وواجباته ومعاهداته قاسمًا مشتركًا بينه وبين جماعته، فهو يعتبر وريثًا من قبل هذه الأخيرة، مادام قد منحها ولاءه المطلق في حدود طاعة الله وطاعة رسوله، ويصبح من واجبات هذه الجماعة عليه محاربة من حارب ومسالمة من سالم.
كم هي ثقيلة وعظيمة ومكلّفة تبعات القيادات الصالحة الربانية، فهي تتبنى مشاكل كل الأفراد وتتحمل مسؤولياتهم، وتدخل في صراعات وعداءات لا ناقة لها فيها ولا جمل، سوى أنها صراعات وعداءات ورثتها وتبنتها من قبل أعضاء التجمع، لا لشيء سوى أنهم قبلوا أن يكونوا ضمن هذا التجمع ورضوا بهذه القيادات ومنحوها ولاءاتهم وأعلنوا العداء لكل الجهات المعادية للحق حتى وإن كانوا آباءهم أو أبناءهم أو عشائرهم، فهذه النقلة النوعية في الانتماء من قبل أعضاء التجمع الإيماني ينبغي أن تُقابل بموقف نوعي من جهة القيادة على مستوى احتوائهم والتفاعل معهم وتهييء الأجواء البديلة والمناسبة لتفجير واستغلال طاقات وملكات هؤلاء القادمون الجدد، ثم الاستعداد للتضحية بكل غال ونفيس للدفاع عنهم واعتبارهم جزء لا يتجزأ من جسد الجماعة. ولقد رأينا الإيثار الكبير والحرص الشديد الذي كان يوليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأتباعه وأصحابه وقد سجّل المولى جل وعلا هذه