الخاصية في كتابه لتكون شعارًا ونموذجًا لكل القيادات من بعده حتى تقوم الساعة {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} .
تبعات القاعدة
سبق أن أسهبنا الحديث عن بنود هذه البيعة المتجددة في المقالات الأربعة الماضية، وأردت أن أخصص هذا المقال الأخير لتبعات هذه البيعة، وهي التي تكون عبارة عن تحصيل حاصل أو النتائج المترتبة على هذه البيعة، وقد لخصها الصحابي أسعد بن زرارة خلال تدخله قبل أن يقدم الأنصار على إبرام هذا العقد الثقيل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله:"رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، ونهكة الأموال والأعراض، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فهو أعذر لكم عند الله".
مفارقة العرب (والعجم) كافة
لم يكن يخط ببال الصحابي الجليل ابن زرارة يوم العقبة، بأن هذه الدعوة المباركة ستبلغ ما بلغ الليل والنهار، وبأن الله تعالى سيظهر دينه ورسوله وعباده المؤمنين على الأديان كلها، وعلى الناس كافة (عربهم وعجمهم) ، وكان يظن بأن أقصى ما سيبلغه هذا الدين هو جزيرة العرب، وبأن خصومهم سيتمثلون في العرب فقط دون سواهم، ولكنه فهم منذ الوهلة الأولى أنه سيكون هناك عداء ومفارقة من قبل هؤلاء، فالتوجهان مختلفان ومتضادان، الأول وجهته تحرير الناس وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بينما الثاني يحرص على استعباد الإنسان وإبقائه عبدًا للعباد، وشتان بينهما.
فكان لابد من توضيح هذه التبعة وبيانها حتى يكون جميع المتعاقدين على بصيرة من الأمر، ويهيئوا أنفسهم لها منذ البداية.
نعم، لقد أعاد التاريخ نفسه وهاهم الأنصار الجدد قد بايعوا من جديد، على القتال والموت، وهم يدركون يقينًا أنهم سيفارقون العرب والعجم، بل سيفارقون أقرب الأقربين من مال وتجارة وعشيرة وربما أزواج وأولاد، كونهم سيأخذون طريقًا مغايرًا للجميع ومخالفًا لأهواء القوم واتجاهاتهم، ومن الطبيعي أن يصلوا إلى مفرق الطرق، كل على شاكلته وكل على طريقته.