والإمام يأتي بالمعنيين الثاني والثالث من المعاني التي ذكرها ابن القيِّم؛ أمَّا المعنى الثاني فيكون من فِعال بمعنى مفعول فهو مقصودٌ مأمومٌ ممن هو إمام في شأنِهم ويقصدونه لبلوغه في شأنه مرتبةً عظيمةً، أو للاقتداء به في ذلك، ومن استعمال إمام بهذا المعنى قوله تعالى: (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) أي طريق مقصودة بيّنة ليست مجهولةً خفيَّة أو لا يطرقها أحد، وأمَّا المعنى الثالث فإنَّ الإمام اسم للآلة التي يحصل بها فعل الأمِّ وهو القصدُ إلى شيء، والآلة التي يحتاج إليها القاصد إلى أمرٍ في قصده هي ما يهديه في ذلك القصد إمَّا قاصدٌ مثله فيتّبعه في سيره، وإمَّا دالٌّ على المقصود فيعمل بدلالته، وفي بيان هذا المعنى قال ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) :"والإمام: حقيقته الشيء الذي يجعله العامل مقياسًا لعمل شيء آخر ويطلق إطلاقا شائعا على القدوة"، وقال في تفسير قوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) :"والإمام أصله: المثال والقالب الذي يصنع على شكله مصنوع من مثله قال النابغة:"
أَبُوه قبله وأبو أبيهِ بَنَوا ... مجد الحياة على إِمَامِ
وأطلق الإمام على القدوة تشبيها بالمثال والقالب، وغلب ذلك فصار الإمام بمعنى القدوة"وقال في تفسير هذه الآية: و (أئمة) جمع إمام، وهو ما يجعل قدوة في عمل يعمل على مثاله أو على مثال عمله، قال تعالى (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) أي مقتدى بهم، وقال لبيد: (ولكل قوم سنة وإمامها) ، والإمام: المثال الذي يصنع على شكله أو قدره مصنوعٌ، فأئمة الكفر هنا: الذين بلغوا الغاية فيه، بحيث صاروا قدوة لأهل الكفر"انتهى كلامه، وذكر أهل اللغة أنَّه يُقال للخيطِ الَّذي يقوَّم عليه البناء (إمام) ، ومنه قول الراعي النميري:
وخلَّقتُهُ حتَّى إذا تمَّ واستوى ... كمُخَّةِ ساقٍ أو كمتنِ إمامِ