وما صدَّ الوليد بن المغيرة عن الإسلام إلاَّ كلمة أبي جهل، لمَّا عابه بأنَّه يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر عليه رضوان الله ليسألهم من الصدقات فأنِفَ من ذلك، وارتدَّ عما كاد يلين له من الإسلام، ورجع إلى كفره حتَّى قُتل يومَ بدرٍ كافرًا ما صدَّه عن الإسلام إلاَّ طعن الطاعنين في المسلمين، فلمَّا كاد أن يُسلم ناله هذا الطعن ورجع.
بل إنَّ أبا جهلٍ لم يرض من الوليد بن المغيرة لمَّا مدح القرآن إلاَّ أن يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعيبه، ويعيب القرآن بعد أن شهد أنَّه ليس كلام بشر، فعاد وقال: (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) ، وقد خشي أبو جهلٍ والمشركون إن أسلم الوليد أن تُسلم قريشٌ كلها وقالوا إن صبأ الوليد صبأت قريش، فلذلك أرادوا منه الطعن ليصدَّ عن سبيل الله عزَّ وجلَّ.
جاء الحكم في الآية مقرونًا بأوصافٍ منها: نكث العهود، والطعن في الدين، والإمامةُ في الكفر، وعدم التزام الأيمانِ، والهمُّ بإخراج الرسول، والبداية بالحرب أوَّل مرَّة، فهذه أظهر الأوصاف في الآية، ومنها أوصافٌ يُعلم عدم دخولها في العلة، كانتهائهم بالقتال، وقوَّتهم التي تُؤخذ من قوله تعالى: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) .
فأمَّا الهمُّ بإخراج الرسول والبداية بالحرب أوَّل مرَّة، فالأظهر أنَّها جاءت بعد تمام الحكم وقُطعت عمَّا قبلها بحرف الاستفتاح (ألا) كما تقدَّم، وعُلِّق هذان الوصفان بكلمةٍ مُنكَّرةٍ فدلَّ على انفصال الحكم عمَّا قبله، وهي جملةٌ مسوقةٌ مساق التحريضِ على قتال القوم المعيَّنين بذكر بعض أوصافهم، والحكم عامٌّ غير مخصوص بهم كما تقدَّم.