الصفحة 32 من 79

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته يلتزمون قتل كل إمامٍ في قومه عند قتالهم أهل الكفر على اختلاف مللهم، بل ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المنُّ على عدد من أئمة أقوامهم في الكفر، أو مفاداتهم أو مصالحتهم، ولو كان قتل أئمة الكفر فرضًا ومصالحتهم حرامًا محضًا لبيَّنه الرسول بيانًا عامًّا ولظهر من سيرته وسيرة أصحابه ظهورًا قاطعًا، فإنَّه لا يخلو قوم من أهل الكفر من أئمة لهم وسادة وكبراء يُطيعونهم في كل وقتٍ ومكان.

فتبيَّن بهذا ثبوت الإمامة في الكفر لكل من طعن في الدين ونكث عهده مع المؤمنين، دون أن تكون الإمامة في الكفر مناط الحكم، بل من كان إمامًا في الكفر ولم ينكث عهده ويطعن في الدين يجوز تأمينه ولا يثبت له شيءٌ من الأحكام المذكورة في الآية، وإنَّما سمِّي الطاعن في الدين الناكث العهدَ إمامًا في الكفر، لما ذكر أبو العباس من أنَّ الإمام في الشيء هو الداعي إليه، والطاعن في الدين العائب له داعٍ إلى تركه منفّرٌ عنه فهو إمامٌ للكفر من جهة صده عن سبيل الله وتنفيره من الدين.

ومن أعظم ما يكون من إمامة الكفر والصد عن التوحيد السبُّ والطعن في الدين وفي أهله، فإنَّ الَّذي يسمع السبَّ والطعن في الدين إمَّا أن يُصدِّق ما يسمع فيكون ذلك مُنفِّرًا له من الإسلام مبعدًا له عن الدخول فيه، وإمَّا أن يكذِّبه فقد يؤمن، وقد يترك الإسلام مخافة أن يناله ذلك السب والطعن، فإنَّ كثيرًا من الكافرين لا يمنعه من الإسلام إلاَّ سبُّ السابِّين للدين وذمُّهم لأهله، فيخاف قالةَ الناس ويبقى على كفره، كما قال أبو طالب:

ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمدٍ ... من خيرِ أديانِ البريَّةِ دينًا

لولا الملامةُ أو حذارَ مسبَّةٍ ... لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت