الصفحة 29 من 79

ومما يُلحق بأئمَّة الكفر من الأحبار والرهبان وأهل اللسان: إبليس عليه لعائن الله المتتابعة، فإنَّ إضلاله للناس وإغواءه لهم بغير إكراهٍ ولا سلطانٍ قاهر، وإنَّما فعله كما يقول في خطبته المشهورة: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) ، فذكر أنَّه إنَّما هو داعٍ دعاهم ورغَّبهم في المعصية بوعده الكاذب، وليس المراد بالوعد أنَّه يعدهم أن يعطيهم شيئًا، وإنَّما هو تزيينه المعاصي ووعده مرتكبها بحصول اللذة من المعصية نفسها، كما وعد أبانا آدم من قبل بالخلد وملكٍ لا يبلى إذا ذاق الشجرة، وقد نفى إبليس في الآية أن يكون له سلطانٌ عليهم إلاَّ دعوته التي دعا فاستجابوا له.

الفصل الثالث: معنى إمامة الكفر في الآية

تقدَّم الحديث عن معنى الإمامة في الكفر وما دلَّ عليه المعنى اللغويُّ المشتهر من الدلالة إلى الكفر والقُدوة فيه، ودلالة بعض النصوص على معاني للإمامة عامَّة يُؤخذ من معرفتها معرفة الإمامة في الكفر، كقوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) في المؤمنين، ويُعرف منها معنى الإمامة عمومًا، أو دلالة بعضها على الإمامة في الكفر خاصَّة كقوله تعالى في قوم فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) .

وأمَّا إمامةُ الكفر في الآية فقد وردت في سياق الأمر بالناكثين عهودهم الطاعنين في الدين؛ فمن هنا ذهب أكثر أهل العلم إلى أنَّ المقصودين في الآية استحقُّوا الإمامةَ في الكفر بنكثهم العُهُود وطعنِهِم في الدِّين، ونصَّ بعضهم على أنَّ الإمامة في الكفر متعلقة بالطعن في الدين وحده دون نكث العهود، ويأتي الحديث عن هذا إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت