وقوله تعالى: (أئمَّة الكفر) إمَّا أن يكون مرادًا به الوصفُ ويُعلَّق الحكم به، فيكون الأمرُ بالقتالِ معلّقًا بالإمامة في الكفر، فكلُّ من كان إمامًا في الكفر دخل في الآيةِ، ويكون الحكم على الناكثين الطاعنين بالإمامة في الكفر، والحكم على الأئمة في الكفر بانتقاض عهودهم وقتالهم.
وإمَّا أن يكون بمنزلة الاسم ويُراد به التحريض على قتالهم، كما تقول: إنْ نَكثَ فلانٌ العهد وطعن في الدين فاقتل عدوَّ الله، ولا يكون مرادك أنَّ كل من كان عدوًّا لله يُقتل، بل حرَّضت على قتله ببيان عداوته لله عز وجل، وإنَّما استبحت ذلك منه بما أسندتَ إليه الكلام من نكث العهد والطعن في الدين.
ومدار المسألة على وصف الإمامة في الكفر: هل هو علةٌ مستقلَّةٌ عُلِّق الحكم بها، أم صفةٌ كاشفةٌ للعلَّة جاءت بيانًا وتأكيدًا لها؟
وثمرة هذا أنَّا إن قُلنا إنَّ علة الحكم هي الإمامة في الكفر، فكلُّ إمامٍ في الكفر لا يجوز تأمينُهُ على ما يأتي في حكم التأمين، وإن قلنا إنَّ الإمامة في الكفر صفةٌ كاشفةٌ والحكم معلَّقٌ بما قبلها جاز عقد الأمان لمن هو إمامٌ في الكفر ووجب الوفاء به إذ ليس هو متعلَّق الحكم إلاَّ أن يجمع الإمام في الكفر الصفات التي يدخل بها في الآية.
وقد ذكر أبو العباس ابن تيمية رحمه الله أنَّ الإمامة في الكفر مانعةٌ للعهد في معرض حديثه عن نكث عهود الطاعنين في الدين، فاستدلَّ بأنَّهم أئمة كفر، وأنَّ أئمة الكفر يجب قتالهم، وفسَّر إمام الكفر بأنَّه: الداعي إليه المُتَّبع فيه، وهذا حقٌّ ولكن يلزم منه أنَّ من هذا شأنه لا يجوز عقد العهد له، ولا يستقيم الاستدلال بتسميتهم أئمة الكفر على نقض عهد الطاعن في الدين الذي هو مساق كلام أبي العباس إلاَّ بجعل الإمامة في الكفر علَّةً للحكم، ولا يستقيم هذا إلاَّ بالتزام منع معاهدة أئمة الكفر مطلقًا سواء الطاعن في الدين منهم وغير الطاعن.